fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

«استهلك تونسي»... دون استغلال التونسي للتونسي

:شارك

 

في خضم الحملة المتواصلة تحت شعار «استهلك تونسي»، انصبّ الاهتمام أو انحصر تقريبا في المنتجات الصناعيّة، وعلى رأسها المواد الغذائية، متبوعة بالمواد الاستهلاكيّة اليوميّة، مثل مواد التنظيف والتجميل، وكذلك الملابس والأحذية.

وسط حالة الوجد هذه، لا يلتفت كثيرون إلى الأسعار وإلى «شبكة التوزيع» التي في حالات عديدة، خاصّة منها الخضر والغلال، تنال نصيبًا أكثر من الفلاّح المنتج، بل أكثر من ذلك، تسيطر على مسالك التوزيع، وتحتكر السلع وأكثر من السيطرة والاحتكار تتحكّم في الأسعار من خلال التحكّم في الكميات المعروضة.

دون حاجة إلى إحصائيات، لا يمثّل استهلاك التمر عامّة والدقلة خاصّة، جزءا من العادات الغذائيّة اليوميّة للغالبية الغالبة من التونسي. أسوة بزيت الزيتون استبطنت المنظومة بكاملها أنّ هذا المنتوج معدّ للتصدير جلبًا للعملة الصعبة، على أن يبقى الاستهلاك المحلّي بمعدّلات محترمة، حكرًا على قلّة قليلة، أو خلال مناسبات متباعدة، مثل شهر رمضان المعظّم.

جمعيات الدفاع عن المستهلك والأجهزة الحكوميّة المكلّفة قانونيا بمقاومة الاحتكار، مطالبة (على الأقلّ) بتقديم المعلومة، عن سعر كيلو دقلة النور لدى الفلاّح في نفطة أو دقاش، مقابل سعره المعروض أمام المستهلك في مدن الشمال، حين صرّح أصحاب الواحات، وأغلبهم من صغار الفلاّحين، أنّ الوسطاء والسماسرة، يريدون خنق السوق وانتزاع منتوجهم بسعر وصل إلى دينار واحد أحيانًا...

هذه جريمة موصوفة في حقّ الاقتصاد الوطني وأحد أهمّ قطاعاته، وخاصّة هذه الزراعة ذات الوجود التاريخي العريق والعمق الحضاري الذي يعود إلى قرون عديدة، علمًا وأنّ دقلة النور مثلا، لا تنبت سوى في الجنوب الغربي التونسي والجنوب الشرقي الجزائري حول «الشطوط»، مفردها شطّ وهو مستنقع من الماء المالح، الذي يعطي للنبتة خاصياتها الغذائيّة المتميّزة بل الفريدة، التي لا يمكن أن توفرها تربة أخرى في أماكن أخرى.

القاعدة بسيطة وجليّة ولا تحتاج إلى إعادة اختراع البارود : من حقّ الفلاّح الذي يرعى نخيله على مدار العام والشهر واليوم والساعة، ويستثمر في الأمر جهدا وعرقًا ومالاً، أن ينال مقابلا محترمًا نظير هذا «الاستثمار» لأنّ الغبن الذي يعيشه القطاع، وكذلك التهميش سيقود إلى تراجع القدرة الشرائيّة لهذه الفئة، ومن ثمّة يهدّد وجودًا هذا القطاع. في المقابل، أخلاقيا قبل الحديث عن قواعد السوق من عرض وطلب، وجب التأكيد على الحق المقدّس للمواطن في أن يستهلك منتوج بلده بمعدّلات استهلاك مقبولة، وبالتالي ومن الأكيد، بسعر مقبول.

بين أرفع سعر ممكن يدخل جيب الفلاّح وأخفض سعر ممكن يخرج من جيب المستهلك، معادلة توازن تبيّن أنّ «االدولة» لم تعد قادرة أو هي راغبة، بحكم تغوّل لوبيات الاحتكار على ضمان هذا الحقّ للجهتين. يبقى دور المجتمع المدني والنخب المستنيرة، ليس في التصدّي المباشر والوقوف أمام «أباطرة التمر»، بل ـ وهذا أفضل ـ ترك «مصّاصي الدماء» في التسلل حين وجب تطوير مسالك توزيع موازية، تخفّض وتحدّ وتقلّص من الهامش الفاحش الذي استولى عليه هؤلاء «الوسطاء»...

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا توعويّا رائعًا وأفهمت عمقا شعبيا هامّا أنّ النسبة الغالبة أنّ الدينار الذي يخرج من جيب المستهلك لا يدخل الجانب الأكبر منه إلى جيب المنتج.

لا تكمن الغاية في كسر منظومة توزيع بكاملها، بل إلى هدفين : أن تحترم الوساطة المنتج كما المستهلك، وأن تعود الدولة إلى ممارسة دور التعديل، سواء من خلال القوانين التي تلزم الجميع بالشفافية وأيضًا تأسيس مجمع فلاحي يكون هدفه امتصاص فائض الانتاج (خاصّة بمنتوج البطاطا) وإعادة المنتوج إلى السوق عند الحاجة.

محاور:
:شارك