fbpx أرادوا قطف رأس رئيس الجمهورية.. فأمسك برقابهم ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

أرادوا قطف رأس رئيس الجمهورية.. فأمسك برقابهم !

Share

 

مثلما كان الأمرُ متوقعا، وجّه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، مراسلة إلى رئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، ردّ فيها القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية، رافضًا ختمهُ، بأسلوبٍ لم يخل من الغمز واللمز والسخرية المبطنة.
وإذ جاءت مراسلةُ رئيس الجمهورية (سمّاها كتابًا) مسهبة ومعلّلة بخصوص موقفهِ، لا من التعديلات الطارئة على القانون المتعلق بتنقيح القانون الأساسي المؤرخ في 3 ديسمبر 2015 والمتعلق بالمحكمة الدستورية فحسب، وإنّما من مسارٍ كاملٍ غذّته الحسابات السياسية ومكائد الغرف المغلقة والتلكؤ الذي دسّ مواد مغشوشة في الخلطة التي اعتمدت لتركيز مؤسسات الجمهورية الثانية، فضلاً عن تضمنّها إشارات قديمة/جديدة عن وقوف ماكينات فساد وراء السرعة التي جرت بها المصادقة على تعديلات المحكمة الدستورية، فإنّها شكّلت فصلاً جديدًا من فصول الصراع المعلن بينه وبين خصومه السياسيين، وتحديدًا الترويكا المساندة لرئيس الحكومة، هشام المشيشي، وهو ما يهدّدُ ضمنيا بنسفِ مسار الحوار الوطني الذي كان قد وافق منذ أيّام قليلة على الإشراف عليه. 

رأسي لم يحن قطافه بعد!

وبعيدًا عن مضامين المراسلة نفسها، ولغتها الماضوية، وتعريضها السّاخر برئيس مجلس نواب الشعب، وحلفائه في الترويكا الحاكمة، بدا رئيسُ الجمهوريّة وكأنّهُ يمضي إلى الهدفِ مباشرةً، دون أن يرهق نفسهُ بالمناورة. فالرّئيسُ يعلمُ، كما يعلمُ عموم المتابعين الذين تفاجأوا بالسرعة القياسية التي تمّت بها المصادقة على تعديلات القانون عدد القانون الأساسي المؤرخ في 3 ديسمبر 2015 والمتعلق بالمحكمة الدستورية، بأنّ رأسهُ تحديدًا هو المطلوب من وراء ذلك، لا سيّما في ظلّ حالة الشلل السياسي التي تعرفها البلاد. والمعلوم، أنّ غياب المحكمة الدستورية، حال لا فقط دون عزل رئيس الجمهورية، وهو المطلب الذي ترفعهُ الكتل الداعمة لهشام المشيشي، بل وخوّل لرئيس الجمهورية سلطة تأويل الدستور نفسهِ، ومكنه من زمام المبادرة في أكثر من محطّة. 
والحقّ أنّ الحجج التي تقدّمت بها كتل الائتلاف الحاكم، بخصوص وجوبية تسريع النظر في تعديلات القانون الأساسي، لم تكن مقنعة، ذلك أنّ اعتبار أنّ المحكمة هي المخرج الوحيد للأزمة السياسية في تونس، على قاعدة التزام كلّ طرفٍ بصلاحياته الدستورية، تبدو مضحكة بالفعل، بالنظر إلى أحداث الأشهر الأخيرة، وخصوصًا تصريح راشد الغنوشي، رئيس مجلس النواب ورئيس حركة النهضة، الذي طالب بالعودة إلى النظام البرلماني الكامل، أو مطالبة عياض اللومي، نائب قلب تونس، بعزل رئيس الجمهورية، وكلّها مواقف لم تظهر إلى العلن إلا بعد رفض رئيس الجمهورية القبول بالتعديل الحكومي الأخير.
وسيكون من العبث حقّا، ألا نربط مواقف الأحزاب السياسية الحاكمة بإشكالية التعديل الوزاريّ، ذلك أنّها تعدُّ القادح الرئيسي في مسارعتها إلى طرح التعديلات على المصادقة (ولعلّ الطريف في الأمر أنّ التعديلات نفسها تنامُ في أدراج المجلس منذ العام 2018)، وهذا هو السبب الرئيسي في رفض رئيس الجمهورية ختم القانون. فقيس سعيّد يعلمُ أنّ ما حدث تحت قبة باردو لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيدٍ بالمصلحة العليا للبلاد، وإلا لما كانت الأحزاب انتظرت زهاء ست سنوات كاملة لمعالجة فخاخ القانون الأساسي، قبل أن تتفطن إلى أنّ مصلحة البلاد تكمن في المصادقة على التعديلات في أجلٍ لم يتجاوز اليومين على الأكثر. وبالتالي، إذا كان القادحُ سياسيا فإنّ الرفض يكونُ سياسيا بالضرورة، وهو ما تلخّصه الوثيقة التي وجهها رئيسُ الجمهورية لرئيس مجلس النواب.

لكنيّ أمسكُ برقابكم !

ومع ذلك، لم يفوت رئيس الجمهورية المناسبة لممارسة رياضته المحبّبة إلى قلبه في الإمساك برقاب خصومه. فبعد أن ذكّر راشد الغنوشي بأنّه قد أقسم على احترام دستور تونس وتشريعها مؤكّدا أنّ الدستور الذي أقسم على احترامه يمنحه حقّ ردّ مشاريع القوانين كافّة باستثناء القوانين الدستورية وحدّد الآجال بعد أن اشترط التعليل، علّل اللجوء إلى حق الرد بجملة من الحجج القانونية أهمها تلك المتصلة بالآجال الدستورية التي نصت عليها الفقرة الخامسة من الفصل 148 من دستور سنة 2014. وللتذكير تنصّ الفقرة الخامسة من الفصل 148 على ما يلي: " يتم في أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ الانتخابات التشريعية إرساء المجلس الأعلى للقضاء، وفي أجل أقصاه سنة من هذه الانتخابات إرساء المحكمة الدستورية، مشيرا أنّ هذا الحكم لم يرتكز على  ذكر أجل في المطلق "بل إنّه سمّاه والمسمّى هو المُعيّن والمحدد'' معتبرا أنّ ليس هناك ''لسلطة داخل الدولة أن تتجاوز الوقت الذي حدّده الدستور وسمّاه ونصّ على الأجل وذكر أقصاه"، وهذا يعني بصريح العبارة وجود "خرقٍ" واضح للدستور يبطلُ معه التعديل نفسه، وهو ما عبّر عنه بالقول :" المجلس النيابي بمثل هذا الموقف وضع نفسه في موقف دستوري مستحيل بل على امتداد عدّة سنوات لم يتوفّق إلاّ في انتخاب عضوة واحدة''. 
ومن هنا نفهم أنّ رئيس الجمهورية لم يرفض التعديلات الطارئة على القانون الأساسي فحسب، بل رفض القانون بأسره، على اعتبار أنّ المشّرع وضع نفسه قانونيا في موقفٍ دستوريّ "مستحيل"، ذلك ألا يمكن القبول بالتعديل نفسه، بعد أن تجاوز المجلس النيابي الآجال الدستورية بأكثر من ستّ...سنوات!
والحقّ أن خصوم رئيس الجمهورية مكنوه هذه المرّة أيضا من رقابهم، بمحاولة ملاعبته داخل أرضه وبأسلحته هو، والمعلوم أنّ من يحتكم على قدرةٍ واضحة في تأويل النصوص، غالبا من ينتهي به الأمرُ إلى إنهاك خصومه وإجبارهم على اللعبِ بأوراقه هو، وهذا ما حدث بالنّهاية.

فصل آخر من فصول الشلل السياسي!

على أنّ هذا السجال القانوني يجب ألا ينسينا مسألة على غاية من الأهمية، وهي استمرارُ قيادات البلاد في تغذية الأزمة السياسية الحاصلة. فالدفعُ بالتعديلات لا يمكنُ فهمه خارج منطق تحجيم دور رئيس الجمهورية، تمهيدًا لعزله، وردّ رئيس الجمهورية لا يمكنُ فهمه خارج سياقات الصراع نفسه، أي حشر خصومه في الزاوية وإظهارهم في مظهر قطيع الذئاب المتعطّش للسلطة على حساب مصلحة البلاد، ما يعني بداهةً فصلاً جديدًا من فصول الشلل السياسي، في وضع اقتصاديّ مخيفٍ للغاية. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل حول الجدوى من الحوار الوطني المزمع تنظيمهُ تحت إشراف رئيس الجمهورية، وقد استحكم العداء بين الرئاسات الثلاث، إلى حدّ بات معهُ الحديثُ عن قواسم مشتركة أقرب إلى غمغمة المجانين.
ولعلّنا نجدُ في ردود قيادات الأحزاب المناكفة لرئيس الجمهورية ما يقيم الدليل وأكثر على وصول الجميع إلى نقطة اللاعودة، بالمقابل، يبدو لنا أنّ قيس سعيّد وجد في ردّ القانون ما يعفيه من خوض مغامرة الحوار الوطني المحرجة، متمرسا على هذا النحوُ وراء مواقفه الرّافضة للأحزاب. ألم يرد في خاتمة "كتابه" ما يلي: 
''إنّ لدينا من المعلومات الكثير، ليس هذا مجال تعدادها وذكرها وأنا على يقين أنكم على علم بها، لذلك فإنّنا نردّ إليكم هذا القانون المتعلّق بتنقيح القانون الأساسي للمحكمة الدستورية ولن يتمّ القبول بالختم إلاّ بعد تحقّقنا من تغليب أحكام الدستور ومن كان مقصده غير هذا فليعلم أنّ حججنا واضحة جليّة وإنّ مواقفنا ثابتة قوية وإرادتنا في ضمان علوية الدستور وحقوق شعبنا صادقة خالصة سوية".
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
قيس سعيّد المحكمة الدستورية راشد الغنوشي قلب تونس الحوار الوطني النهضة
Share