fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الاقتطاع من الأجر..بين الضريبة و التبرّع

:شارك

 

منذ مطلع الستينات، زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، اعتادت الدولة اقتطاع جزءا من الأجور، خاصّة الوظيفة العموميّة وكبرى شركات القطاع العام، تارة باسم التنمية، وتارة أخرى تحت شعار مقاومة الفقر، ومن بعد مساعدة للفلسطينيين، وغير ذلك من أبواب الاقتطاع.

بعد نوفمبر 1987، جاء صندوق 26 – 26، في صورة «القضاء المستعجل» (كما يقول أهل تونس)، ليكون في ظاهره تبرّع إرادي دون إكراه، وفي حقيقته ابتزاز وافتكاك وانتزاع، يذّكر ما كان يفعله البايات، عندما كانوا يرسلون «المحلّه» تسلب السكّان أقواتهم.

وجب حسم المسألة في جوانبها القانونيّة والاعتباريّة وخاصّة الوطنيّة. التبرّع إرادي وقرار ذاتي، يتمّ وفق قناعة شخصيّة، حين يكون المتبرّع حرّا في تقديم ما استطاع أو ما أراد، وفق امكانياته ووفق طاقته.

ما تفعله أيّ دولة بإعلان «اقتطاع» جزءا مهما كان من الأجر، لا يعدو أن يكون سوى «ضريبة» مهما كانت التسميات ومهما جاء التكييف القانوني.

الولايات المتحدّة الأمريكيّة،  مثلا، بلد الرأسماليّة المتوحشة وأين يشكّل النجاح الفردي أهمّ محرّك يدفع البلاد إلى الأمام، هو البلد الأوّل في العالم، على مستوى التبرّعات للجمعيات وغيرها من مكوّنات المجتمع المدني. لا سلطة ولا قانون ولا قوّة ولا ضغط، يجبر أيّ مواطن أمريكي على التبرّع لجمعية الحفاظ على الفراشات الصفراء، أو جمعيّة البحث عن الكائنات الفضائيّة.

هي صورة غريبة وملفتة للنظر، بلد «الأنانيّة المبالغ فيها» هو بلد «التبرّع دون حدود»، بل يمكن الجزم أنّ هذه التبرّعات تأتي عماد قطاعات عديدة، مثل الفنون، حيث لا وجود لوزارة للثقافة في بلاد العم سام. فقط يتبرّع أغنياء وأثرياء وشركات كبرى، بمئات ملايين الدولارات، سواء لدعم متاحف قائمة وتمكينها من اقتناء أغلى القطع، أو تأسيس متاحف أخرى وقاعات عرض.

في تونس، بلد دخل الديمقراطيّة أو هو يؤسّس لذلك، علينا أن نميّز بين ما تقتطعه الدولة من مداخيل المواطن، وهو اجراء عادي وطبيعي وساري به العمل منذ أن عرفت الإنسانيّة شكل الدولة، مهما كانت التسميات ومهما جاءت المسوّغات القانونيّة وقبلها الوطنيّة، وبين ما يتبرّع به المواطن عن طيب خاطر، وبقرار ذاتي.

على الدولة أن تكون واضحة وشفّافة : ما يُقتطع من المواطن بقانون لا يمكن أن يكون «تبرّعًا». قد يختلف مواطن أو حزب أو جمعية أو مرجع أكاديمي، نقد هذه «الضريبة» أو غيرها، لكن وجب الاستجابة إليها، والسعي لتغييرها وفق ما يكفله القانون.

على خلاف ذلك، من حقّ أيّ مواطن أن يتبرّع وفق ما يقتضيه القانون، وما هي مصلحة البلاد. في بلد مثل تونس من المفيد، بل من الضروري فتح حسابات تبرّع، أين يقدّم كلّ مواطن ما استطاع أو بالأحرى ما أراد، وقت ما يريد.

من الطبيعي، في بلد انتزع صندوق 26 – 26 من الموظفين والأجراء والشركات ورجال الأعمال، المال عنوة، وفي بلد اقتطعت الدولة المال من الأجور تحت شعار «التبرّع»، أن يتوجّس الناس، ويشكّون في نوايا من يطالب المواطنين بالتبرّع.

محاور:
:شارك