fbpx الترجمة والتطبيع.. أو كيف ترتكبُ الجرائمُ باسم تسفير الأدب؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الترجمة والتطبيع.. أو كيف ترتكبُ الجرائمُ باسم تسفير الأدب؟

Share


وقع الروائي التونسي ومدير بيت الرواية، كمال الرياحي، في فخ التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني، بعد صدور روايته "المشرط" مترجمةً إلى اللغة العبرية ولا سيّما إثر تبجّح الكاتب العلنيّ بصدور مقالة نقديّة عنها في صحيفة "يديعوت أحرنوت" الصهيونية والمقرّبة من جيش الاحتلال الإسرائيلي. ولئن سارع الروائي إلى حذف تدوينته "المتبجّحة" بالمقالة النقدية، بعد تعرضّه لهجوم حادّ من الوسط الثقافي التونسي، إلا أنّه قرر عكس الهجوم على منتقديه، بأسلوبٍ لاذعٍ ومتعالٍ، مستدعيا بالمناسبة، أسماء كتّاب عرب كبار، ترجمت أعمالهم إلى اللغة العبريّة، متخذا من ذلك مطيّة، لتبرير ما قام به، تحت شعار "اعرف عدوّك".
وللأمانة، يخضعُ هذا المسار التبريري غالبًا إلى الكثير من التجريح كي لا نقول السخرية الممزوجة بالمرارة، وهذا أمرٌ منطقيّ ومشروع، رغم اعتقادنا الشخصيّ في أنّ الربط بين الترجمة والتطبيع يعدُّ أمراَ تعسفياً، خصوصاَ حين يطال الترجمة من العبرية إلى العربية، لكن في الحالة المعاكسة، وخصوصا حين يتعلّق الأمرُ بإرادة صريحة للتعامل مع دور نشر إسرائيلية، فإنّ الانخراط في مشروع التطبيع الثقافي، يصبحُ أمرًا واقعًا، لا شبهةً تخضعُ للتقييم أو الدرس أو حتّى النقاش.
ولنكن صريحين مع أنفسنا أوّلاً، ومع الروائي كمال الرياحي ثانيا، فما قام به يعدُّ "تطبيعًا" صريحًا، نابعا عن إرادة حرّة في التعامل مع دار نشر اسرائلية، حتى وإن كانت مترجمة العمل، أي الشاعرة والباحثة ريم غنايم، فلسطينية الجنسيّة، فضلاً عن تبجّح الكاتب الصريح بصدور مقالة نقدية حول الرواية المترجمة على أعمدة أحد أكبر الصحف الإسرائيلية تطرّفا وصهيونيّة، ما يكشفُ دون لبسٍ عن "إرادة حرّةٍ" في التعامل مع العدوّ، وهو ما تنكسرُ أمامه كلّ المبرّرات، حتى وإن توسّلت بمبدأ يؤمن به كلّ مترجمٍ، مبدأ يقول إن الترجمة هي العينُ الثالثة التي نطلّ بها على الآخر. 
وللتذكير فقط، كان الكاتب الجزائري الحبيب السائح قد نشر مؤخرًا خبر رفضه هو وناشره، دار مسكلياني التونسية، عرضا صريحًا لترجمة رواية "أنا وحاييم" إلى اللغة العبرية، وهو ما يقيم الدليل على صلابةِ بيضة الصمود أمام رياح "التطبيع" التي تحاول إغراء الكتاب العرب بـ"العالمية"، عبر تسفير أعمالهم إلى اللغة العبرية في مرحلة أولى، ومن ثمّة دعمهم للوصول إلى كبريات دور النشر العالمية، وخصوصا الأمريكية، التي لا يخفى على البعض، حجم سيطرة الصهاينة عليها. 

في خيانة القضايا باسم الترجمة!

وأمام تحجّج الروائي التونسي بصدور ترجمات عبريّة لعدد من الكتاب العرب، ما يعني تخففه التامّ من أيّة مسؤولية أخلاقية، رغم معرفته بأنّ الترجمات الصادرة ما هي إلا قرصنة مفضوحة تقوم بها دور النشر الإسرائيلية دون الحصول على موافقة أصحابها، لا بأس من تذكيره والقرّاء بتاريخ الصراع الثقافي مع دولة الكيان الغاشم.
 فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي، حدث بالفعل أن ترجم الأدب العربي ودرّس للطالب العبري (قبل إعلان قيام الكيان الغاصب)، بالجامعة العبرية بفلسطين، ومنها أعمال الرواد كلطفي المنفلوطي وطه حسين وعباس محمود العقاد ونجيب محفوظ ويحي حقي وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش وسليم بركات وغيرهم...وجلّ هذه الترجمات مقرصنة، تم الاستيلاء عليها كعادة الصهاينة، دون الرجوع إلى أصحابها (ثمة مشروعٌ يستثنى من ذلك وسنعود إليه في ما بعد). في المقابل، لم يكن للأدب العبري أيّ وجودٍ على الساحة الثقافية العربية، قبل عام 1948م (عام النكبة) على اعتبار أن اللغة العبرية لغة ميتة، قبل أن تهتم السلطات الإسرائيلية إلى أهمية ترجمة الأدب العبري إلى اللغات الأخرى، وخصوصا اللغة العربية، وتم إنشاء "معهد ترجمة الأدب العبري" فى عام1962م.
ولم تكتف سلطات الاحتلال بذلك، بل حاولت بشتّى الوسائل اختراق الداخل العربي، من ذلك ما قامت به مؤسسة دار نشر "الأندلس"، باعيل ليزر، حين طلبت مساعدة عزمي بشارة، وقد كان وقتها نائبا عربيا فى الكنيست الإسرائيلي، لاقناع المفكر العربي المغربي محمد برادة بالقيام بمهمّة إقناع عدد من الكتاب العرب بأهمية نشر ترجمات عبرية لكتبهم. ويشارُ إلى أن الكاتب رياض أبو عواد كان قد نشر مقالاً مفصّلاً حول ما كان بين محمد برادة وعدد من الأدباء العرب، كصنع الله إبراهيم ومحمد شكري وإبراهيم عبد المجيد وغيرهم، إذ رفض أغلبهم ذلك باستثناء محمد شكري الذي وافق على ترجمة روايته "الخبز الحافي" إلى العبرية وتسلم دفعة أولى من حقوقه المالية (500 دولار). وللتاريخ، رفض الروائي عبد الحكيم قاسم، قبل سنوات طويلة من وفاته، عرضا قدمته له دار نشر إسرائيلية هي دار "هاريس"، لترجمة أعماله إلى العبرية.
والحقّ أن ما قدمناه يهدف أساسا إلى دحض حجّة الروائي كمال الرياحي الذي استدعى أسماء عربية كبيرة لتبرير ما قام به، متناسيا أمرين في اعتقادنا، الأول هو أن أغلب ما ترجم من أدب عربي، يقع ضمن "القرصنة" الصريحة والمباشرة، والثاني، أنّ أغلب الأسماء الكبيرة رفضت كلّ المغريات لترجمة أعمالها إلى اللغة العبرية، لإدراكهم أنّ الترجمة ما هي إلا مدخلٌ صريح لكسر بيضة الصمود العربي، وإعلانٌ أكثر صراحة بأحقية الكيان الغاشم في الوجود على حساب أصحاب الأرض الحقيقين. 

في الخلط والتلبيس!

وفي وضعٍ كهذا، ترفضُ الحقيقة أن تتجمّل. فالتفاخر بصدور مقال عن الرواية المترجمة في صحيفة صهيونية، يكشفُ بداهةً عن وجود "تواصل" بين الكاتب ودار النشر الإسرائيلية، حتى وإن كانت الوسيط هو مترجمة العمل الفلسطينية. بعبارة أخرى، ثمة تواصل مباشر وههنا يتجسّد التطبيع، ذلك أن الأمر لا يتعلّق ههنا بقرصنة لعملٍ وإنما بإرادة حرّة في ترجمة العمل إلى العبرية، بحثًا عن رياح "العالميّة" العطنة. وهو ما يخالفُ توصيات اتحاد كتاب العرب واتحاد الناشرين العرب وغيرها من الهيئات التي تصرّ على مواجهة كلّ أشكال التطبيع الثقافي مع الكيان الغاصب. ولعلّ ما يزيد وطأة ما فعله الروائيّ التونسيّ، هو أنّه يتقلّدُ منصبًا إداريّا، إذ يديرُ مؤسسة ثقافيّة عمومية هي بيت الرواية. وكنّا بالفعل سنتجاوزُ عن مسألة الترجمة ذاتها إلى اللغة العبرية، فذلك أمرٌ يعني صاحب العمل بالنهاية، لكنّ ما أفزعنا حقّا هو "تبجّح" الرّجل بما نشرته صحيفة دولة الاحتلال، متغافلاً عن حقيقة بسيطة، وهي أنه يمثّل الدولة التونسية أيضا لا شخصه فقط، طالما أنه يشتغلُ لحسابها، مع ما يعنيه ذلك من "حرج" بالغ لمؤسسات الدولة الرسمية. 
وههنا يعنّ لنا أن نطرح على الروائي كمال الرياحي سؤالاً بسيطا ومباشرًا وصريحًا: هل تعتقدُ أن ترجمة رواية مغرقة في محليّتها إلى اللغة العبرية اختراقا لدولة الكيان وانتصارًا للقضيّة الفلسطينية وهي أمّ القضايا الإنسانية بلا منازع؟
ومع أننا ندركُ أنّ الرّجل لن يعثر على إجابةٍ تقيله من هذه العثرة نرى من الواجب أن نذكر بأمرين مهمين. أوّلا، الترجمة هي سفارة ما يعني إقامة علاقةٍ واضحة وغير مقيّدة الشروط بين الباث والمتلقّي، فهل يعقل أن نقيم سفارة بين غاصبٍ ومغتصبٍ؟ بين سجّانٍ وسجين؟ بين محتلّ ومشرّد؟ ثانيا، دعونا من الترجمة نفسها، ولنركز لوهلةٍ على علاقتنا بذلك الآخر. هل هو عدوّ أم كيان طبيعي؟ فإن كان عدوا فسيكون من أوكد واجباتنا أن نعرفه ونطّلع على آدابه وثقافته، فههنا تصحّ بالفعل مقولة "اعرف عدوّك"، غير أن ذلك لا يعني أن نفتح له الباب لاختراقنا كورمٍ سرطاني. أما إن اعتبرناه كيانا طبيعيا وموجودًا، فهذا يعني اعترافا صريحا به، ما يعني تطبيعا مدفوع الأجر، ضمن حساباتٍ يعرفها كمال الرياحي وكلّ من سبقه إلى مستنقع الترويج لحق الكيان الصهيوني في الوجود الثقافي. 
صحيح أنه يتعيّنُ علينا ألا نخلط بين السياسة والأدب، أو بين اللغة العبرية والصهيونية العالمية، لكن الأصحّ أيضا أن نقول إنّ من يقبل بترجمة أعماله إلى العبرية وفي دولة الاحتلال تحديدًا، هو كمن باع أرضه وعرضه وشرفه، بل ونرى أنّه غمّس ذراعيه حتى منبتيهما في دماء أهلنا في فلسطين المحتلّة. 
والحقّ أنّ من يدعو إلى عدم الخلط بين السياسة والأدب، ينسى تحديدًا أنّ قضية الترجمة إلى العبرية هي قضية سياسية بامتياز، يسعى إليها الصهاينة لنيل الاعتراف بأحقية وجودهم على حساب أصحاب الأرض الأصليين، وهو ما يجعلُ من أوكد مهامّ المقاومة الثقافية هو كيفية التصدي لهذا المشروع.
 

محاور
تقديرموقف ثقافية
الكلمات المفاتيح
الترجمة التطبيع كمال الرياحي إسرائيل المشرط الكيان الصهيوني
Share