fbpx الحقائق الأربع بخصوص الأموال المنهوبة المودعة في الخارج ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الحقائق الأربع بخصوص الأموال المنهوبة المودعة في الخارج !

Share


تنتهي اليوم الثلاثاء 19 جانفي 2021 المدّة القانونية لتجميد أموال عائلة الرّئيس الأسبق زين العابدين بن علي وأقربائه وحاشيته المقرّبة المودعة في البنوك السويسريّة، ما سيمكن هؤلاء- نظريّا- على الأقلّ من إعادة التصرّف في الأموال والأصول المجمّدة.
 وإذ قلنا نظريّا، فذلك لأنّ التجميد الإداريّ هو ما سيقعُ رفعهُ، مع الإبقاء على التجميد القانونيّ لمدّة قد تصلُ إلى حوالي ثلاث سنواتٍ، لكنّ ذلك لا يعني أنّ تونس ربحت "شوطًا إضافيّا"، فالملفُّ برمّتهِ يعاني من جملةٍ من المشاكل والمطبّات القانونيّة، فاقمتها عشر سنواتٍ من التلكؤ الإداريّ والقانونيّ من الجانب التونسي. وفي تقديرنا، ما أضعناهُ من وقتٍ وفرصٍ خلال السنوات العشر الأخيرةِ، رغم تجاوب الدولة السويسريّة ومعها دول الاتحاد الأوروبيّ، لن نتمكّن من تعويضه، حتّى وإن منحنا مهلةً بعشر سنواتٍ إضافيّة.
ههنا من المهمّ بمكانٍ أن نذكّر بما نشرتهُ صحيفة "لوتان" السويسريّة، إذ أشارت إلى أنّ فرصة استرجاع 200 مليون فرنك سويسري أي ما يقارب 607 مليون دينار تونسيّ، كانت عائلة بن علي قد أودعتها في البنوك السويسريّة، قد تضيعُ على تونس مع منتصف ليلة الثلاثاء 19 جانفي 2021، أي عندما ينتهي التجميد الإداري، بعد فترة قانونية مدتها 10 سنوات. 
وههنا نرى من المهمّ أن نذكّر ببعض الحقائق بخصوص الأموال المنهوبة المودعةِ في الخارج، لنوضّح للقارئ مدى تشعّب هذا الملفّ من جهةٍ، ومساهمة "التلكؤ" الإداريّ وغياب الرؤية الاستشرافية عن الحكومات المتعاقبة، في "ضياع" حقّ التونسيين، ضياعٌ قد يكونُ هذه المرّة إلى الأبد.

كم تبلغُ قيمة الأموال المنهوبة؟

لا أحد يعرفُ يقينًا قيمة الأموال والأصول المنهوبة من قبل الطغمة الحاكمة السابقة، إذ تشيرُ تقديرات فرع منظمة الشفافية الدولية في تونس هذه الأموال بنحو 23 مليار دولار (62 مليار دينار، أي ما يفوق ميزانية تونس الحالية بحوالي 10 مليار دينار). ومع ذلك، تبدو هذه التقديرات بعيدة كلّ البعد عن الأرقام الحقيقية لسببين: يتمثّل السبب الأوّلُ في غياب جهازٍ يقومُ على جرد كلّ ما تمّ نهبهُ والتدقيقِ فيه وحصره تمامًا، وهو ما سنفسّرُ أسبابهُ في ما بعد. أمّا السبب الثاني فيكمنُ في أنّ تلك التقديرات احتسبت ما هو مودعٌ في البنوك الأوروبيّة، دون احتساب ما هو موجودٌ في بنوك "الجنان الضريبية"، كإمارة أندور وباناما وجزر الكايمان وغيرها، فضلاً عمّا وقع ايداعهُ بالفعل في البنوك الأمريكية والأمريكية اللاتينية، ولو أضفنا إلى كلّ ذلك عمليّات "التركيب المالي" المعقدة التي تمّ وفقها تهريبُ الأموال إلى الخارج، أي تلك الشركات الحقيقية والوهميّة التي تتداخلُ رساميلها، وأسهمُ المساهمين فيها، يصبحُ تقدير المبلغ الجمليّ المنهوب، من الأمور الصعبة لكي لا نقول المستحيلة.

كم استرجعت تونس إلى حدّ الآن؟

هنا أيضا تتضاربُ التقديرات، لكن ما هو ثابتٌ لدينا على الأقلّ، أن تونس تمكنت من استرجاع 28 مليون دولار من أحد البنوك اللبنانية كانت مودعة باسم زوجة الرئيس المخلوع، ليلى بن علي، إضافة على مبلغ 4.27 ملايين دولار مودعة في البنوك السويسرية.
وبالعودة إلى ما نشرته الصحيفة السويسرية، فإنّ جزءًا من الأموال بقيمة 60 مليون فرنك (نحو 660 مليون دولار) الذي وقع تجميده بأمر قضائي، سيظل آمنا مهما حدث، لكن ذلك لا يعني أنّ مهمة المسؤولين التونسيين في استرجاعها ستكونُ بسيطة.

لماذا فشلنا في استرجاع الأموال المنهوبة؟

في الواقع، تتعدّدُ الأسبابُ بخصوص عدم استرجاع الأموال المنهوبة إلى حدّ الآن. فبعد مرور عشر سنواتٍ على مطالب استرجاع الأموال المهربة للخارج، لم تسترجع تونس إلا مبالغ زهيدة مقارنة بحجم الأموال التي تمّ تهريبها إلى الخارج. ويعودُ ذلك إلى عدم تكوين ورسكلة المحققين والقضاة على حدّ سواء في اختصاص "الجرائم المالية"، إذ اعتبرت جرائم "طارئة" بعد الثورة، علاوةً على شدّة تعقيد عمليات التركيب المالي المنتهجة من قبل عائلة الرئيس الأسبق، فضلاً عن تدخّل عديد الأطراف المحليّة والأجنبيّة في الملفّ. وثمّة سبب آخر، يتمثّلُ في عدم إصدار أحكام نهائية في حقّ المورطين في عمليات النهب بسبب فرارٍ أغلبهم إلى الخارج، وهذا المأزق القضائي هو ما يحتجّ به الاتحاد الأوروبي لدى الجانب التونسي.  ونرى من المنطقيّ أن تعلل الدول الأوروبية عدم إرجاعها الأموال المنهوبة إلى تونس، بعدم حصول الأحكام القضائية على صيغتها النهائية إلى الآن، ذلك أنّ القطاع المصرفي في أوروبا وفي سويسرا على وجه الخصوص، هو قطاع شديد الحساسيّة تجاه مطالب الاسترجاع، لأنّ الأمر يمسُّ من مصداقيته أوّلاً، ولأنّ من شأن تسليم الأموال دون موجبٍ قانوني معلّل سيرتدُّ عليه سلبًا خصوصا أنه يتعاملُ مع "حرفاء" كبار غالبا ما يفضّلون السريّة.
وههنا لا بدّ من التذكير بأنّ الاتحاد الأوروبي كان قد راسل مؤسسة رئاسة الجمهورية التونسية، ليعلمها بأن آخر مدة لرفع التجميد عن الأموال المنهوبة في دول أوروبية سيكون نهاية جانفي 2021. والمعلوم أن تونس شرعت منذ شهر فيفري 2011 في القيام بإجراءات استرجاع الأموال المنهوبة بمساعدة مبادرة استرداد الأموال المنهوبة "ستار" (شراكة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة)، إذ قامت وقتها بانشاء لجنة خاصة لاسترجاع الأموال المنهوبة. ولقد صممت اللجنة إستراتيجية شاملة تجمع بين مختلف أدوات التحقيق والأدوات القانونية، بما في ذلك الملاحقة القضائية المحلية، والتعاون الدولي غير الرسمي، وطلبات المساعدة القانونية المتبادلة. فضلاً عن تدخل اللجنة كطرف مدني في الإجراءات الجنائية في فرنسا وسويسرا، ووجهت السلطات القضائية في تونس حينها (2011) 57 إنابة عدلية منها 26 أصلية و31 تكميلية لطلب تجميد الأموال والأملاك المنهوبة من الرئيس المخلوع وأقاربه. لكن ما حدث في ما بعد هو أن بطء إجراءات التقاضي، وفرار أغلب المطلوبين إلى الخارج، وتدحرج الملف بين مكاتب الحكومات المتعاقبة، وتفصيّ بعض من تداولوا السلطة من البتّ في هذا الملفّ، نظرا لارتباطهم بعدد من المطلوبين في قضايا الأموال المهرّبة، فوّت أكثر من فرصةٍ على البلاد لاسترجاع ما وقع نهبهُ.

هل تنجح رئاسة الجمهورية في استرجاع ما نهب؟

لا تبدو العمليّة سهلةٌ كما يتصوّر البعض. صحيح أن قيس سعيّد، رئيس الجمهورية، كان قد حثّ مؤخرًا هشام المشيشي، رئيس الحكومة، على ضرورة التحرك بأقصى سرعة حتى لا تنقضي المدة القانونية وتضيع معها حقوق الشعب التونسي، وصحيحٌ أيضا أن رئيس الجمهوريّة كان قد أعلن منذ أشهر عن تشكيل لجنة صلب مؤسسة رئاسة الجمهورية تعنى بملف الأموال المنهوبة المودعة في الخارج، إلا أن العملية برمّتها تبدو صعبة الآن مع انقضاء الآجال القانونيّة. وإن كان انقضاء المدة هنا يخصّ "التجميد الإداري"، مع الإبقاء على التجميد القانوني ساريا المفعول، فإنّ المهلة الممنوحة لتونس تبدو غير كافية خصوصا مع تشتّت مجهودات الدولة وعدم تركيز لجنة أو جهة واحدة على هذا الملف.
ومع ذلك، لا نرى الأمرَ مستحيلا، على الأقلّ في ما يخصّ استرجاع جزء من الأموال التي نجهلُ تقديراتها تمامًا، والحلُّ في تقديرنا يكمنُ في مسألتين مهمتين: أوّلا، تسريع النظر في القضايا العالقة والبت فيها على جناح السرعة، والعمل على الضغط على الدول الصديقة ديبلوماسيّا لكي نسترجع جزءًا مما نهب، وإلا ضاع كل شيء إلى الأبد. 
 

 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
أموال منهوبة عائلة بن علي الاتحاد الأوروبي قيس سعيّد سويسرا الحكومة
Share