fbpx الحكومة تدشّن مرحلة "الاقتراض المتوحّش" والإفلاس على مرمى البصر ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الحكومة تدشّن مرحلة "الاقتراض المتوحّش" والإفلاس على مرمى البصر !

Share


قبل أيّام قليلة، خاطب علي الكعلي، وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار، النواب قائلاً إنّ البلاد في حاجة ماسةّ إلى اقتراض 18.5 مليار دينار هذا العام لكي تتمكّن من سداد ديونها والالتزام بنفقاتها من أجور ومستحقات الدعم والاستثمار.
والحقّ أننا لا نعرفُ على وجه الدقّة إن كان ما تفوّه بي وزير المالية في الجلسة العامة المخصصة للمصادقة على مشاريع قوانين ذات صبغة مالية، ورد في صيغةٍ إقرارٍ بدخول الدولةِ مرحلة الإفلاس المعلن، أم تحذير للنواب من مغبّة عدم المصادقة على الاتفاقيات المالية التي تعقدها الحكومة مع المقرضين أو المانحين، لكن ما يبدو واضحً بالنسبة إلينا، أنّ الدولة دخلت رسمّيا مرحلة العجز عن الإيفاء بتعهداتها داخليّا وخارجيا.
وما يؤكّد هذه "الحقيقة الكارثية"  هو  تصريحُ الرّجل بأنّ الحكومة ستعجزُ قريبًا عن سداد ديونها وأجور موظفيها وتمويل وتوفير اعتمادات الاستثمارات العمومية (هذا إن تبقى أيّ شيء للاستثمار بالطبع) في صورة عدم توفقها إلى الاقتراض من السوقين الخارجيّة والداخليّة، ما يعني ببساطةً أنّ الدولة "مفلسة"، وعاجزةً تماما عن سدّ الثقوب السوداء في موازنتها العامة.
وبالتأكيد، تكفي نظرة خاطفة على المؤشرات الاقتصادية لكي ندرك حجم الكارثة المالية التي حلّت البلاد، فوفق تصريح السيّد الوزير، ستضطر تونس هذا العام إلى سداد 15.5 مليار دينار من الديون (جلّها خدمات دين)، علاوة على كتلة أجور جيشها العرمرم من الموظفين الإداريين. وإذ كانت الحكومة قد أعلنت أنّ حاجياتها من الاقتراض ستكونُ في حدود 18.5 مليار (قانون المالية لسنة 2021)، فهذا يعني أنّها البلاد صارت تقترض لخلاص ديونها السابقة، أما ما تبقى (حوالي 3 آلاف مليار دينار)، فسيقعُ إنفاقهُ لسداد الأجور ونفقات الدعم إلى آخره. فهل يحتاجُ الأمرُ تفسيرًا إضافيّا لتبيان الكارثة؟
أجل، ثمّة ما هو أخطر من ذلك بكثير، فالوزير بشّرنا بأنّ الحكومة ستعمدُ إلى تقديم أكثر من مشروع قانون مالية هذا العام، ما يعني أنها حكومة تتحرّك داخل الضباب، بلا رؤية أو معرفة. وليس هذا فحسب، بل إنّها تعترفُ بأنّ تقديراتها الألويّة غير "سليمة"، ما سيتطلبّ أكثر من عمليّة تحيين للتوقعات والمؤشرات، ما يعني الترفيع في حجم الاقتراض، علاوةً على إنهاك الأفراد والمؤسسات بضرائب جديدة.
هل هذا كلّ شيء؟ لا، لأتّ الحكومة عازمة على المضيّ قدما في سياسة الاقتراض المتوحشّ، مستهدفةً هذه المرّة السوق الداخلية، أي أنها ستتحوّلُ إلى المقترض رقم واحد من البنوك التونسية ما سيبدد آمال المستثمرين في القطاع الخاص في الحصول على التمويلات المصرفية اللازمة لاستعادة أنشطتهم. وللتذكير فقط، كانت حكومة المشيشي قد فجرت أزمة مع البنك المركزي التونسي حين طالبت بـ 10 مليارات دينار (3.6 مليارات دولار) من السوق الداخلية لتمويل عجز الموازنة، وهو ما رفضهُ "بنك البنوك"، لاعتبارات كثيرة منها التعامل العبثيّ مع القطاع البنكي وكأنه مسؤول عن سوء تصرّف الحكومات المتعاقبة في موازنتها، علاوة على تداعيات الاقتراض من السوق الداخلية على تقليص فرص المؤسسات الاقتصادية في الحصول على التمويلات الضرورية لأنشطتها، ومخاطر ضخّ سيولةٍ مالية من ذلك الحجم في اقتصاد غير منتج، ما يرفعُ آليا نسبة التضخم في البلاد.
وعلى الرغم من ذلك، ما تزالُ الحكومة تصرُّ على الاقتراض الداخلي، وقد ترفّع من نسبته، بعد تقلّص حظوظ تونس في الخروج إلى السوق الدوليّة بلا مخاطر، بعد تصنيف وكالة "موديز" الأخير. وههنا دعونا نتفق على مسألة لا تحتاجُ سوى إلى عاقلٍ لكي يدرك كنهها بوضوح: لقد كشفت الحكومة عن ثلاث مسائل خطيرة وردت جميعها على لسان ماليتها (ولم نقلهُ نحن).
 إذ أعلنت أوّلاً عن عجز البلاد عن الإيفاء بالتزاماتها داخليا وخارجيا خارج آلية الاقتراض المتوحشّ، وهذا لا يحتاجُ إلى عقل عبقريّ لكي يدرك أن الوزير يتحدّث عن إفلاس الدولة.
ثانيا،  أعلنت الحكومة أنّ تتحرّكُ داخل منطقة العمى الماليّ، بمعنى أن تقديراتها الأوليّة سقطت في امتحان الواقع، ومرادفُ ذلك، أنّ الحكومة ستضطرّ في كلّ مرة إلى التقدم بمشروع ماليّة تكميلي جديد، ما يعني ديونا وضرائب جديدة.
ثالثا، أعلنت الحكومة أنها باتت تقترضُ لمجرّد الاقتراض، وهذا ما كما حذّرنا منهُ تقريبًا في عشرات المقال على أعمدة "شكشوكة تايمز"، ما يعني احتمالية وضع البلاد تحت الوصاية المالية الدولية، كما حدث مع دولتي اليونان ولبنان.
بالمحصّلة، تكشفُ هذه الحقائق الثلاث عن سوء تقديرٍ واضح للأمور، لا في جوانبها المالية الصرفة فحسب، وإنما في جانبها السياسي، ذلك أنّ ما تحاولُ الحكومة إجبار النواب على المصادقة عليها، قد يتكفّلُ بإشعال الحرائق في البلاد تمامًا، ولو اضفنا إلى ذلك كلّ المآخذ على أداء هشام المشيشي الذي يعدُّ أضعف رئيس حكومة عرفتهُ تونس منذ استقلالها إلى اليوم، فإنّه سيكونُ بمقدورنا التأكيدُ وقتها على أن المسافة بيننا وبين الهاوية تقلّصت وإلى حدّ كبير.

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
الحكومة التونسية الاقتراض علي الكعلي هشام المشيشي الأجور سوق داخلية البنك المركزي الإفلاس
Share