fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الحكومة بين الوعاء الدستوري والمحتوى السياسي

:شارك

 

الملاحظ للشأن السياسي في تونس والمتابع للحركيّة التي تعرفها البلاد بمناسبة تشكيل الحكومة، يلاحظ نشازًا  مع التعارض أو ربّما الصدام، إن لم نقل الانفصام، بين من جهة الوعاء الدستوري الضابط (افتراضًا) لكامل الجدليّة الماسكة للشأن السياسي، سواء تعلّق الأمر بانتخاب رئيس الدولة أو انتخاب مجلس نوّاب الشعب، أو تسمية أيّ مسؤول في الدولة، من جهة، مقابل ما هو الواقع السياسي القائم وموازين القوى البرلمانيّة الماثلة أمامنا.

لا أحد يطلب أو يطالب بأن يكون التوافق تامّا والتلاقي على أكمل وجه بين كلّ من الوعاء الدستوري مقابل المحتوى السياسي، لسببين :

أوّلا : أنّ تونس ديمقراطيّة ناشئة، أو هي (كما يُقال) في طور «الانتقال الديمقراطي»، مع وجود طبقة سياسيّة فاعلة، لم تنشأ الأغلبيّة الغالبة منها (أو جميعها حقّا) في مناخ ديمقراطي. جميعها كان قبل 14 جانفي 2011 من ضحايا النظام أو من زبانيّته أو هم من الجالسين في صمت فوق الربوة، لعدم القدرة على لعب دور المعارض والتعفّف كذلك عن تقلّد الدور الذي يلعبه الأزلام، دون نسيان من أخذتهم الغربة بعيدًا عن الوطن، ومن ثمة نحن أمام جيل بأكمله لم ينشأ في مناخ ديمقراطي بين التونسيين وأجواء من «السلم السياسي» داخل البلاد....

ثانيا : السياسة منذ الأزل، وستبقى إلى الأبد، حسب الحالة) النفس البشرية، ويكون «تجاوز القانون» سواء تجاوزًا طفيفا لا يمكن تأكيده أو لا يتّفق الجميع عليه في الدول الأعرق ديمقراطية أو الأشدّ دكتاتوريّة، تأتي فعلا بشريّا، ومن ثمّة من الطبيعي أن تغلب (أحيانًا أو دائمًا ب ذلك، أو هو تجاوز مفضوح لا يمكن، لا تبريره ولا السكوت عنه.

من النقطتين، نحن أمام ديمقراطيّة لا تزال تبحث عن ثوابتها أو هي تريد التأسيس لمرتكزات مبتكرة، للأسباب التالية :

أوّلا : لم يسبق لتونس أن عاشت «وضعًا ديمقراطيّا» حين لا تملك البلاد، لا تراثا ولا مرجعيّة في هذا الشأن.

ثانيا (وهذا الأهمّ) : حين نستثني «الديمقراطيّة» في بعدها الشكلي والوظيفي، لا اتفاق بين الأطراف السياسيّة على أبجديات هذه الممارسة أو تسليم راسخًا بها، كأنّ الجميع (وهذه الصورة التي ترتسم أمام المراقبين والعمق الشعبي) أشبه بتلاميذ في مدرسة، يزاولون تعليمهم وينهلون العلم، رغمًا عنهم.

ثالثًا : رغبة الدوائر الغربيّة، الأوروبيّة والأمريكيّة خاصّة، في التأثير في هذه الديمقراطيّة «الناشئة»، ومن ثمّة هذا السيل من التصريحات الصادرة عن وزراء هذه الدول أو سفرائهم في تونس عن «مساندة» أو «مصاحبة» وربّما «الدعم»، وغيرها من العبارات المماثلة، ومن الطبيعي والمفهوم (بمنطق موازين القوى القائمة) أن تسعى هذه الدول، كلّ على حدة أو مجتمعة، سواء إلى تشكيل «الديمقراطيّة التونسيّة» على صورتها الجامعة أو صورة كلّ منها، وكذلك أنّ تتشكّل هذه «الديمقراطيّة» بما يخدم مصالح هذا الغرب، سواء منها الجارية، أو المصالح الاستراتيجيّة.

الأزمة القائمة حاليا على مستوى تشكيل الحكومة، سواء البطء أو حتّى «العجز» (المؤقت) عن الخروج بنتيجة ملموسة، أو هو حال التوتّر والتشنّج وحتّى العنف اللفظي، (شكليا وإجرائيا) تأتي (جميعها) جزءا أصيلا من الأدوات المؤسّسة للتعاطي الديمقراطي، حين وجب التأكيد على أنّ الديمقراطيّة لا تهدف إلى القضاء على الخلافات أو التخلّص من الاختلافات في وجهات النظر وفق «فقه» أو مصلحة أيّ جهة، بل إلى وضع آليات تصريف لحالات الصدام على نحو يحفظ السلم الاجتماعيّة بعيدًا عن كلّ أشكال العنف ومظاهر التشنّج. لكنّ الإشكال وما يدعو إلى السؤال والتساؤل وحتّى القلق وربّما هو التوتّر، أن أصبح هذا «الخلاف الديمقراطي» حالة مزمنة، طالت أكثر من قدرة البلاد والعباد على التحمّل، وثانيا (وهذا الأهمّ) بدأ اليقين يتأكّد لدى أعداد متزايدة من الملاحظين والعمق الشعبي، أنّ الأزمة القائمة هي بصدد الذهاب بالبلاد والعباد إلى أزمة أخرى، سواء استطاع السيّد إلياس الفخفاخ تشكيل حكومته أو ذهبت البلاد إلى انتخابات تشريعيّة سابقة لأوانها.

تبيّن بالدليل المادّي القاطع وباليقين الثابت من خلال ما جدّ منذ انتخابات 2019 (على الأقلّ) أنّ دستور البلاد «ملغوم» ويحمل في ذاته وبين ثنايا فصوله من الفِخاخ ما يجعل الوضع (كما نعيش راهنًا) ينزلق إلى مستنقعات الصراع السياسي أو هي «الرمال المتحرّكة»، التالية :

أوّلا : كيف لرئيس دولة خرج من صندوق انتخابات عامّة مباشرة، أن يكون «أقلّ صلاحيات» ومن ثمّة «سلطة» وبالتالي «تأثيرًا»، من رئيس وزراء جادت به قريحة رئيس الحزب الفائز بأعلى عدد من المقاعد في مجلس نوّاب الشعب، خاصّة وأنّ الانتخابات التشريعيّة الأخيرة، أعطت مجلسًا على قدر كبير من التشظّي و التفتّف. عندما نعلم أنّ «الكتلة الأكبر» (عدديّا)، أيّ كتلة حركة النهضة في مثل حال انتخابات 2019، تمثّل أقلّ من خُمس النوّاب في هذا المجلس ؟

ثانيا : حقّ رئيس الدولة في تسمية «الشخصيّة الأقدر» في حال فشل الشخص المعيّن بناء على اقتراح رئيس الحزب الفائز بأعلى عدد من المقاعد، ودون التفصيل في مواصفات هذا «الأقدر» أو شروط اختياره، ليس فقط، تجعل أو تستجمع جميع الأوراق في يد رئيس الجمهوريّة، بل تعود بمعادلة توزيع السلط، إلى شكل رئاسي أو حتّى رئاسوي، بمعنى سيطرة رئيس الجمهوريّة سيطرة كاملة على الوضع بأكمله.

دون الجزم بوجوب تنقيح الدستور، وجب الاعتراف بوجوب إتمام قراءة عقلانيّة رصينة ومتأنيّة، قراءة نقديّة، بعيدة عن توتّرات الساحة السياسيّة...

محاور:
:شارك