fbpx الحوار، الوساطة، الاستقالة: مخارج "مؤقتة" لأزمة دائمة! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الحوار، الوساطة، الاستقالة: مخارج "مؤقتة" لأزمة دائمة!

Share


تكادُ الأزمة السياسية الحادة التي تعرفها البلاد تطوي أسبوعها الرّابع، ولا انفراج في الأفق، بعد تمترس طرفي النزاع وراء قراءتهما المتصلّبة.
 فرئيس الجمهوريّة الذي استعاد جزءًا من شعبيته خلال هذا الشهر، مصرٌّ على موقفه الرّافض للتحوير الوزاريّ، بل وبات أكثر اصرارًا على الإطاحة برئيس حكومته الذي وسمه، هو وحزامه السياسي بالفساد، فيما تمترس رئيس الحكومةِ وراء موقفه المتشدّد الرافض لتدخّل رئيس الجمهوريّة في شأن حكومته، حتّى بات تمريرُ تحويره الوزارية قضيّة حياةٍ أو موتٍ بالنسبة إليه. في غضون ذلك، ألقت الأزمة السياسية بثقلها على المناخ العامّ في البلاد، مناخٌ هو أقربُ إلى لوحة سورياليّة منهُ إلى أوضاعٍ صعبة تحتاجُ إلى تحرّكٍ سريع. فاللقاحاتُ الخاصة بجائحة كوفيد-19 لم تصل بعد، والبلد على شفير انهيار اقتصاديّ، والمالية العمومية تشكو من شحّ في التمويل، والأسعارُ تراودُ أجرام السّماء، والحيرةُ كست وجوه المواطنين العاديين الذين يضربون في الأرض على غير هدى.
وإذ يبدو للمتابع العاديّ أن ما يحدثُ في أعلى السلطة هو عبث صبيانيّ بين أجهزةٍ تتنازعُ على الصلاحيّات، فإنّ المسألة في تقديرنا تبدو أخطر من ذلك بكثيرٍ، ذلك أنّ ما يحدثُ الآن هو نتيجةٌ متوقّعة لمنظومة سياسية أثبتت حدودها منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما أثبتت قصورها عن الاستجابة الفوريّة لتطلعات الشعب التونسي، ما يعني بداهةً أننا إزاء أزمةٍ حقيقية، لا مفتعلة، أزمة قد ينجحُ الحوارُ أو الوساطات أو حتّى استقالة رئيس الحكومة في حلحلتها  حاليّا، لكن الأمر لن يخرج حينئذٍ عن إرسال قنبلةٍ موقوتة إلى المستقبل، والمستقبل القريب أيْضًا.

هل ما زلنا نحتاجُ إلى حوار وطني؟

والحقّ أن الأزمة الأخيرة بين قيس سعيّد وهشام المشيشي (بالوكالة)، قتلت بحثا وتنقيبا وتمحيصًا وتحليلاً، كما قدّم كلّ طرفٍ حججه وبراهينه وعرض دفوعاته، ومن ثمّة لم يعد ثمّة ما نضيفُ إلى كلّ ما قيل، وكلّ ما بوسعنا الآن أن نفعلهُ هو البحث في المخارج "الآنية" المناسبة لهذه "المزحة السّمجة". وبهذا الخصوص، تطفو إلى السطح سريعًا قصّة مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، مبادرة كان قد تبناها قيس سعيّد قبل فترةٍ، لكن سرعان ما ركنت جانبًا، بعد استباق الحزام السياسي لهشام المشيشي الأمور، والدفع بالتحوير الوزاريّ إلى الواجهة. ومن المعلوم بالضرورة أنّ التحوير نفسه لم يترك للحوار الوطني الشامل ما يقيمُ أودهُ، إذ كان يفترضُ بالحوار، بما هو فرصة للتقييم العلميّ الشامل لمشاكل البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أن يكون مقدّمة للتحوير والتعديل والتغيير، غير أنّ "الجماعة" كانت تعرفُ أنّ الحوار نفسهُ سيشكّلُ عقبة حقيقية أمام مشروعها المعلن، أي تغيير طبيعة النسيج الحكومي تماما، وتشكيل حكومة سياسية خالصة تعهدُ للمشيشي مهمّة تمثيلها كما لو أنّه يافطة إشهاريّة. 
والحقّ أنّ الحديث عن حوارٍ وطني شامل اليوم، أي بعد وقوع الفأس في الرأس، يعدُّ هو الآخر "مزحةً سمجة"، ففي تقديرنا الشخصيّ، وههنا من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نخطأ التأويل والتقدير، ليس ثمّة من معنى لحوارٍ وطنيّ يدفعُ الخصوم لمناقشة مسائل كان يفترض أن تناقش منذ البداية وقبل التعديل الوزاريّ نفسه. علاوةً على ذلك، لا نعتقد البتة أنّ قيس سعيّد سيقبل بالإشراف على حوارٍ يجمعهُ بمن وسمهم، في كتابه إلى عامله بالقصبة، بالطغمة الفاسدة، مثلما لا نشكّ في رغبة المشيشي وحلفائه في إنهاء وجود الرئيس سياسيا وعزلهِ داخل مربّع صلاحياته، طالما أنهم عاجزون عن تقديم لائحة لوم فيه وعزله واقعًا، بسبب غياب المحكمة الدستوريّة. وبالمثل، تعدُّ الدعوة إلى حوار وطني يشرف عليه الرباعي الرّاعي للحوار، أمنيةً رومانسية للغاية، فالأوضاع في 2021 ليست هي الأوضاع في 2013، وشخوص المرحلة السابقة ليسوا هم شخوص المرحلة الحالية، بعبارة أخرى، لا أحد سيجازف بترك مهمّة التحكيم إلى طرفٍ خارجيّ، حتّى لا يضطرّ إلى القبول بنتائج هذا التحكيم نفسه.

هل مازلنا نحتاجُ إلى وساطات؟

غير أنّ ما سبق لا ينفي أهميّة الوساطة نفسها. والمعلوم أنّ الأستاذين سليم اللغماني ومحمد الفاضل محفوظ سبق لهما أن اقترحا، كل من جهته، تشكيل هيئة تحكيمية تتألف من مرشحين من قبل رأسي السلطة التنفيذية للنظر في الخلاف القائم بينهما والفصل فيه شريطة التزام طرفي النزاع بالنتيجة التحكيمية أيا كانت. وبالمثل، سبق لنواب وسياسيين مخضرمين أن تقدّموا بمشاريع وساطة لحلّ الإشكال بين رأسي الجهاز التنفيذي. 
ومع ذلك، يبدو لنا من شبه المستحيل، أن يتجاوب رئيس الجمهوريّة مع كلّ وساطةٍ تدفعُ بالحلّ السياسي على حسابِ الحلّ القانوني، أو أن يتجاوب رئيس الحكومة مع وساطة تدفعُ بالحلّ القانونيّ على حساب الحلّ السياسي، وذلك بسبب تمترس كلا الطرفين وراء قراءتين متناقضتين جوهريًّا. فالمشيشي ترك مثلاً الباب مفتوحًا، أو هكذا قيل، أمام الحلّ السياسي، بيد أن إعفاءه من شملهم التحوير من وزراء يحسبون غالبا على معسكر قيس سعيّد، بدلاً من استعفاء الوزراء الذين تعلّقت بهم شبهات فساد أو تضرب مصالحٍ أغلق الباب نهائيا في وجه أيّ وساطة مستقبليّة. وبالمثل، عدّت رسالة قيس سعيّد إلى رئيس حكومته بمثابة اتهام علنيّ لرئيس الحكومة وحزامه السياسي بالفساد، ما يعني أنّ ساكن قرطاج وضع نصب عينيهِ، المطالبةِ برأس وزيره الأوّل. وفي وضعٍ كهذا، ستنثني نوايا الوسطاء وإرادتهم بالنهاية أمام موقفين متصلبّين متعارضين جوهريّا.

الاستقالة.. أو الغنوشي السّاحر؟

ما الذي تبقى إذن كحلّ عمليّ لإنهاء الأزمة. في تقديرنا، لا خروج من هذه الأزمة إلا بإحدى الحسنيين، استقالة هشام المشيشي وردّ الأمانة إلى أهلها أو قيام راشد الغنوشي، قائد الحزام السياسي، بنقلة مفاجئة، تقضي بسحب الثقة من رئيس الحكومة، ومن ثمّة إرجاع العدّاد إلى النقطة الصفر. وإن كانت استقالةُ المشيشي تبدو من قبيل المستحيلات، بالنظر إلى ما أبداه الرّجل من تعنت وشهوة جارفة إلى السلطة حتى وإنّ كان ثمن ذلك تعطيل البلاد تمامًا، فإنّ أيّ مناورة من شيخ مونبليزير في اتجاه دفع "محظيّه" إلى الاستقالة، قد تشكلُّ "حلاّ سياسيا" يحرجُ رئيس الجمهوريّة من جهة، ويمكنهُ من تنفيذ أجندته، واستلام مقاليد الأمور فعليّا، سواء ترتب عن ذلك عودة المبادرة إليه أو الدفع باتجاه انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.
وفي مطلق الأحوال، سواء حدث هذا أو لم يحدث، لن يقوم الخصومُ سوى بتأجيل ما هو حتميّ، أي تأجيل المواجهة حول طبيعة النظام السياسي، ومعهُ النظام الانتخابي، لأنّ هذا بالنهاية هو جوهرُ الأزمةُ الفعليّة، ويخطئ حقّا من يقاربُ الأمور خارج هذه الزاوية. وفي انتظار ذلك، ستكتفي البلاد بمتابعةِ الوقت وهو يمرُّ سريعا مفوّتا عليها فرص استثمار هذه الفترة لإعداد العدة لمرحلة ما بعد انتهاء جائحة كورونا.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
قيس سعيّد هشام المشيشي التحوير الوزاري الحوار الوطني وساطات الاستقالة الأزمة
Share