fbpx «الدورو» خرج ولن يعود | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

«الدورو» خرج ولن يعود

Share

أرسل أحدهم ابنته لاقتناء بعض الحاجات من «عطّار» الحومة، شيخ قارب الثمانين أو يزيد، ترعرع وتربّى وتعلّم ومارس التجارة في مدرسة، علّمته أنّ الملّيم مثل الدينار، مثل ألف، لا يجوز التعامل مع أيّ منها باستخفاف. أعاد للبنيّة ملاليمها بدقّة، وكان بينها قطعة معدنيّة من فئة الخمس مليمات.
كم كانت دهشة البنيّة وهي تمسك بهذه القطعة لأوّل مرّة في حياتها التي جاوزت العشر سنوات، فقط شاهدتها وقابلتها في المدرسة، حين يتعلّم التلاميذ العدّ بإستعمال «نقود مزيفة» مطبوعة على ورق من الكرتون.
قبل «الدورو» رحل الملّيم وما ما أدراك ما المليم، بمعيّة شقيقته قطعة فئة المليمين وغابت قطع العشر مليمات وكذلك العشرين ملّيمًا، فيما تراجع حضور الخمسين مليمًا قليلا.
عندما نعلم أنّ معلّم تعليم ابتدائي درجة أولى، لم يكن يتجاوز مرتبه سنة 1964 سبعة عشرة دينارًا وأنّ كيلو اللحم لم يكن يتجاوز 260 مليمًا، وأنّ تذكرة حفل كوكب الشرق أمّ كلثوم سنة 1969 ببلغ سعرها 20 دينارًا، مبلغ يفوق ما يناله جزء غير هينا من الموظفين... نفهم وندرك ونتيقن أنّ الدينار لم يعد ذات الدينار.
هو تضخّم عرفته جميع البلدان على مرّ العصور، وإحدى دلائله المرور من الورقة إلى القطعة المعدنيّة، علمًا أنّ الدينار كما النصف دينار قبله، كانا ورقة ولم يصدرا في شكل قطعة نقديّة سوى بداية ثمانيات القرن الماضي.
أحد الشيوخ كبّر عدّة مرّات واستعوذ من شياطين الدنيا جميعها وهو يمسك بقطعة نقدية من فئة الخمس دينارات، وهو الذي كان يشتغل في البناء في الستينات، وينال مثل هذه القطعة في الأسبوع، وأقسم بأغلظ الأيمان وأوكدها، أنّ بأجر يقارب العشرين دينارًا شهريّا، ربّى أبناءه وبناته أفضل تربية وجعلهم يدرسون في الجامعة.
الدينار سافر في الزمن في تغيّر لقيمته، لكن يسافر في المكان أيضًا. الدينار ليس ذاته في مقاهي البحيرة 22، مثل ما هو في مقهى من درجة ثالثة في حيّ شعبي، دون أن ننسى دواخل البلاد، حيث لا تزال المرأة الكادحة تعمل من مطلع الشمس إلى مغيبها، نظير دنانير معدودات. بالتأكيد أنّ هذه المرأة لم تذهب إلى أيّ مقهى فخم في ضواحي العاصمة، ولم تفكّر يومًا وربّما لا تعلم أنّ أحدهم يترك «بقشيش» لنادل أكثر ممّا تنال هي بعد يوم شقاء كاملا مكتملا.
يمكن دائمًا الحديث عن «تونس الآخر» القائمة على وجود «دينارا آخر»، بين من تقتني حذاءها من الفريب بسعر لا يزيد عن دينارين، وقد تكون أو بالتأكيد استكثرت الثمن، وبين من تشتري حذاء بسعر يفوق 4 آلاف دينار، من دكّان في البحيرة 2.
بعد عشرات السنين أو قرن ينقص أو يزيد قليلا، سيأتي أحد الأحفاد والذريّة، ليكتب أو يروي لمن فاته التاريخ، أنّ سعر الخبز لم يكن يتجاوز مئتي مليمًا سنة 2019، فلا يصدقه السامعون ويعتبرونه من المجانين، مثلما لا يصدّق كثيرون أنّ الناس انتفضت أثناء ثورة الخبز ومات خلق كثير، لأنّ الحكومة قرّرت رفع سعر الخبزة من فئة الكيلوغرام، من 55 مليمًا إلى 200 مليمًا... ثم تراجع بورقيبة حينها، تحت وطأة الشارع.
 

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
Share