fbpx الرأسمال الوطني في خطر! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الرأسمال الوطني في خطر!

Share


وتونس تتوغّل عميقا داخل أزمة مركّبة، يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي والاجتماعي والصحيّ، واصلت الخوارزمية السياسية مهمتها المقدّسة في صرف انتباه التونسيين عن قضايا البلد الحقيقية، وتحويل مجاري الأنهار في إتجاه أكوام الرّمال التي تستندُ عليها كراسي السلطات الثلاث.
والحقيقة أننا لن نعدم الأمثلة بخصوص إنجازات المنظومة السياسية الحالية في هذا المجال بالذات، إذ فرض على دافع الضريبة التونسي، سواء كان فردًا ومؤسسة، أن يستأنف ما بدأه سيزيف، مع تفاقم تداعيات جائحة كورونا الاقتصادية، ويرفع صخرة الضريبة وزيادات الأسعار المجحفة إلى الأعلى، رغم يقينه الثابت في أنّ بلادهُ لن تصل قطّ إلى القمّة.
واليوم، تبدو الوضعيّة أكثر من واضحة بالنسبة إلى المتابع العادي، فما بالك بالخبراء والمختصين في مجالات المال والأعمال. والمعلومُ أنّ المواطن التونسيّ البسيط صار يسدّد كلّ الفواتير الباهظة نيابةً عن الدولة، فواتير هي خراجٌ كارثي لسياسات اقتصادية واجتماعية عقيمة، كان من نتائجها تدهور المقدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار على نحوٍ جنوني وتفاقم المديونية العائلية، وارتهان الأجيال القادمة للدوائر المالية الأجنبية. ومع ذلك، ثمّة ما هو أخطر من كلّ ذلك، إذ أنّ الرأسمال الوطني، بات هو الآخر مهدّدا بالاضمحلال، بعد أنّ تحوّل رسميّا إلى بقرة الحكومات المتعاقبة الحلوب، إلى حدّ صار فيه المستثمر الوطني الشريف عرضةً للعقاب الجبائي والإداري مقابل غضّ البصر عن الحيتان الكبيرة. 
وما لا يعرفه العقل السياسي التونسي المتحالف مع كلّ أشكال الفانتازيا، أنّ رأسمال تونس الحقيقي، أي مؤسساتها الاقتصادية، بات هو الأخرى مهدّدًا بجفاف الضرع، خاصة في ظلّ تضافر كلّ العوامل، المحلي منها والخارجي، على فرملة أيّ رجل أعمال تونسي يفكّر حقيقة في الاستثمار.
وإذ كانت حكومات الجمهورية الثانية قد بادرت إلى إنتاج سلسلة من التشريعات الهادفة لتحريك مناخ الاستثمار، يعاينها المتابع فيطلق تنهيدة ارتياحٍ، إلا أنّ كل تلك النصوص فإن ظلّت حبيس النوايا والأدراج طالما إنّ إرادة دعم المؤسسات التونسية، وأغلبها مؤسسات صغرى ومتوسطة، كلي تنهض بدورها في تنشيط الدورة الاقتصادية، باشرت مهامها كسفيرة للنوايا الحسنة في واحدة من تلك الجزر التائهة في عرض بحر الشمال.
فمع ضرائب مجحفة، يقع تثقيلها على الشركات التونسية بمناسبة أو دونها، ومع أعباء اجتماعية متضخّمة تتحملها هذه المؤسسات، أغلق الباب أمام دعمها بالتدريج. والأمر لا يحتاجُ إلى عبقرية استثنائية لكي ندرك أنّه لا توجد إلى الآن ايّة برامج عملية لدعم الصادرات التونسية إلى الخارج، وهو المستقبل الحقيقي لتونس بسبب ضيق السوق المحلية، أو للحدّ من العراقيل الإدارية أمام المستثمر التونسي، بل لا يوجد ما يؤشر إلى وجود رغبة واقعية في تنشيط قطاعي الصناعة والفلاحة.
مقابل ذلك، تميّزت كلّ الحكومات المتعاقبة بفشلها في الحدّ من التوريد العشوائي، الذي قضى على قطاعات بأكملها، وحماية الرأسمال الوطني ودعمه كما تفعل دول المواجهة الاقتصادية، تلك الدول التي نشترك معها تقريبا في نفس الخصائص الاقتصادية كالمغرب وتركيا. بل، وهنا تكمن المفارقة، تبذلُ السلطة كلّ ما بوسعها من أجل عرقلة الاستثمار الحقيقي، على غرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية، وهو ما يعني بداهة إغلاق الباب أمام المستثمر للاقتراض، أو التحوّل إلى منافس للقطاع الخاص في التداين الداخلي، إلى درجة تفضيل البنوك تمويل الدولة على تمويل المشاريع الاقتصادية، مع ما يعنيه ذلك من تضاؤل فرص الاستثمار بسبب صعوبة النفاذ إلى التمويل البنكي وغيره، مع ما يعنيه ذلك مرة أخرى من تضاؤل فرص خلق فرص العمل وخلق الثروة تلك الثروة التي باتت تحتاجها الدولة لا للاستجابة فقط لحاجيات مواطنيها وإنما أيضا لحاجيات دائنيها. ولو أضفنا إلى كلّ ذلك لا مبالاة الحكومة بإنقاذ المؤسسات المتعثرة اقتصاديا جرّاء جائحة كوفيد-19، لوقفنا عند حجم الخراب الذي ابتليت به قطاعات واسعة ذات تشغيلية كبيرة.
بالمحصّلة، وجد الرأسمال الوطني نفسه، محاصرا من كلّ الجهات بسياسات همّشت حضوره في الدورة الاقتصادية، وتشريعات خنقت روح المبادرة فيه، وقرارات رفعت من أعبائه الجبائية والاجتماعية، ورؤى حوّلت البلاد إلى "بازار" للمنتجات الأجنبية على حساب الصناعات الوطنية.
وهو ما يدفعنا إلى التساؤل بكلّ الجدية الممكنة: ماذا ستحلب الدولة بعد ذلك إن حدث وجفّ ضرع الرأسمال الوطني؟
 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
الأزمة رأسمال وطني مؤسسات كورونا كوفيد 19 الاقتصاد
Share