fbpx الشباب سيكون الحلّ متى توقفت النخبة على أن تكون المشكلة! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

الشباب سيكون الحلّ متى توقفت النخبة على أن تكون المشكلة!

Share


في أواخر عهده، تفطّن نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، إلى وجود مشكلة كبرى هي الشّبابُ التونسيُّ الذي بدأ يعبُّر عن نفسه على مدرّجات الملاعب الرياضيّة، فضاء التعبير الحرّ الوحيد المسموح به تحت حكم بن علي بسخرية حينًا وبعنفٍ في غالب الأحيان، تعبيراتٌ هي أقربُ إلى القنبلة الموقتة منها إلى محاولة للتنفيس، فما كان من النظام وقتها إلاّ التحرّك وإنجاز استشارةٍ شبابيّة موسّعة وقع الالتفافُ على مخرجاتها فيما بعد، وقدّمت تحت ذلك الشعار البائس: "الشبابُ هو الحلّ!"، شعار أرادوه كاذبًا، مخاتلاً، في مسعى إلى نزع فتيل القنبلة، بيد أنّه عجّل سرعان ما انفجر كلغمٍ أرضيّ ممزقا المنظومة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011.
بعد عشر سنواتٍ من عمر الثورة، ما يزالُ هنالك من يتصرّف على شاكلة المنظومة النوفمبرّية عينها إيّاها ويرفع الشعار المخاتل عينهُ إيّاه دون قدرة حقيقية على فهم ما يدورُ في عقول الشباب التونسي، بل ودون رغبةً جادّة في الخروج من الأبراج العاجّية والنزول إلى أحياء وأزّقة العاصمة ومدن تونس الكبرى لفهمِ ما يحدثُ حقيقةً على الأرض. 
صحيح أنّ شهر جانفي ارتبط بشكلٍ أو بآخرٍ بالمواسم الاحتجاجّية، لكن الواقع يقولُ أنّ القطيعة بين النخبة السياسية والشبابُ التونسّي هي قطيعةٌ بائنة لا رجعةِ فيها، ومن ثمّة تعدُّ كلّ محاولات خلق فزّاعاتٍ وخصومٍ وهميين، بحثًا عن إرساء أساسات أمانٍ زائفٍ وتشويه الخصومِ بالمرّة، إمعانًا في سياسة الهروب إلى الأمام لكيلا تجيب النخبة على هذا السؤال الحيّ: لماذا عبّر شبابُ تونس عن

نفسهِ بكلّ هذا العنف؟

لا أحد منّا يزكّي مشاهد السرقة والخلع ورشق الحجارة وحرق العجلات واستهداف الممتلكات العامّة، ولا أحد منّا كذلك يحاولُ ان يجد لها الأعذار أو المبرّرات، بيد أنّ هذا المنطقُ ينطبقُ على الظروف العاديّة، أي حين تكونُ البلادُ قد أنجزت ورشات إصلاحها، وأنصتت النخبةُ إلى مطالب شبابها وجهاتها المحرومة والمهمّشة. في الواقع، نحنُ نعيشُ على وقع ذلك "الاستثنائيّ" الذي طال أكثر من عشر سنواتٍ، فلا مطالب الثورة تحققت، ولا أهداف الشباب نالت من مرمى البطالة والفقر والتهميش والظلم والتحقير والإلغاء والإقصاء.
هل يعرفُ هشام المشيشي، رئيس الحكومة التونسية، ما يحدثُ على الأرض فعلاً؟ هل لديه إطلاع على واقع الأحياء المتاخمة للعاصمة ووضعيات شبابها؟ هل يعرفُ ماذا يحدثُ في مراكز الولايات وقراها و.. محتشداتها؟ بالتأكيد لا، وإلا لما كان خرج بذلك الخطاب السّقيم الذي أبدى فيه تفهّمهُ لمطالب الشبابِ مندّدًا في الوقت نفسه بالأطراف التي تقفُ وراء تحريضهم. 
عن أيّ تحريضٍ يتحدّثُ السيّد رئيس الحكومة؟ عن نسبة بطالة فاقت الـ 17 بالمائة؟ عن أحياء فاقدة لأبسط وسائل العيش الكريم كالتنوير والماء الصالح للشراب ومسالك التطهير؟ عن نسبة انقطاعٍ مدرسيّ مخيفة؟ عن انتشار المخدّرات بأنواعها واشكالها؟ عن قوارب الموت الي ترحلُ بشباب البلاد إلى الضفة المقابلة للمتوسّط وقد لا تصل؟ عن إعلام مرتهنٌ في أغلبه اختصّ في الترويج للانحطاط؟ عن سياسة الإفلات من العقاب؟ عن سياسة الكيل بمكيالين المنتجة؟ عن مراكمة الثروة من قبل طغمة مالية وسياسية مقابل تفقير جهات بأكملها؟ عن غلق المؤسسات الاقتصادية وتسريح عمّالها؟ عن تردي البنى الصحيّة؟ عن غياب دور الشباب والثقافة؟ عن غياب استراتيجيات ثقافيّة وعلمية وبحثّية تحوّل طموحات الشباب إلى إنجازات؟ عن ارتفاع منسوب الإحباط في البلاد؟ 
إن كان رئيسُ الحكومةِ يقصدُ كلّ هذا بعبارة الأطراف الخفية فسننصتُ إليه حقّا بل قد ننظمُّ على مبادرة حركة النهضة في نشر ميليشياتها في الشوارع مدججين بالهراوات لنصطاد الأطفال والقصّر في الشوارع. بيد أنّ هشام المشيشي وغيره يعرفون أن الأمر ليس كذلك.
ففي قرارة أنفسهم، يعرفون أنّ المساواة في تونس هي شعارٌ خياليّ لا أثر له في الواقع. مثلما يعرفون أن الفساد هو الوحيدُ الحاكم بأمره في البلاد. شبابُ تونس ليس شرذمة ضالّة تهوى السرقة والنهب والخلع، بل طوفانا هادرًا يريدُ اعترافا خطيا من السلطة بأن مطالبها في الحرية والشغل والكرامة هي مطالب واقعيّة لا لبس فيها. الشبابُ المحتجّ لا تعنيه صراعات السلطة المعوية او تقاسم المناصب والتناحر على السلط، بل كل ما يعنيه أن يحيا تحت شمس الإنسانية، في زمن الجيل الخامس من الهواتف الجوّالة. هو لا يريدُ أن يلغى ويقصى من مجال الفعل الثقافي والسياسي، ولكن يجدُ الصدّ في كلّ مرة، من قبل كهولٍ عاجزة وشيوخٍ تحلّق ارواحها في عوالم الغيب، وكأن قدرهُ أن يرى الأمل ولا يمسكُ بذيلهِ.
أجل، شبابُ تونس هو الحلّ، لكن متى توقفت النخبة على أن تكون المشكلة!
وهذا ما يجبُ أن تنصت إليه السلطة السياسية جيّدًا، وعليها ألا تنخدع بفترة الهدوء الظاهرّي، ذلك أنّه هدوءٌ يخفي وراءه عاصفةً هادرة !
 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
زين العابدين بن علي الشباب احتجاج السلطة النخبة هشام المشيشي
Share