fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

القضقاضي قربان لآلهة التخلف

:شارك

 

أسوة بالشعوب البدائيّة، صارت تونس تقدّم صغارها قربانًا للفياضات التي صارت تعرفها البلاد كلّ خريف أو شتاء، مع ما يلزم من طقوس النحيب وواجب البكاء وحتّى لطم الذات، ثمّ يتمّ طيّ الصفحة، ونسيان الأمر إلى أن يحين موعد القربان الموالي في السنة الموالية.

أبعد من الحادثة في بعدها الآني، هي معادلة قديمة قدم الزمن، حين لم تفعل دولة المركز ما يجب فعله، لمنع التضحية بهذه البراعم كلّ شتاء. أكيد أنّ دولة الإستقلال أنجزت خطوات ملموسة أثناء العشرية الأولى، أوّلها نشر عدد كبير جدّا من المدارس، بما في ذلك مناطق نائية بل هي منسية. لكن وجب الاعتراف أـنّ هذا الجهد ليس فقط لم يتواصل، بل تراجع. عديد الطرقات التي تمّ شقّها في ستينات القرن الماضي امّحت حين لم تلقَ الرعاية المطلوبة.

مهى القضقاضي أصيلة نواحي فرنانة الواقعة في الشمال الغربي للبلاد التونسيّة، ذات 11 شتاء، لم تكن تدري أنّها ستكون قربان هذه السنة لآلهة التخلّف، بل ضحيّة اجرام تواصل ولا يزال قائمًا منذ وجود دولة الاستقلال. خرجت هذه الطفلة تجري وتسابق حلمها بأنّ تكبر وتغادر مجال الفقر والتخلّف دون رجعة، وكذلك ذابت أحلام والديها وأهلها بأن تكون حياة البنت أفضل من حالهم، سواء اعلان التلاميذ بعدم الالتحاق بالمدارس، أو عامّة الناس بالابتعاد أو مغادرة المناطق الخطيرة.

للتذكير تملك مصالح الرصد الجويّ، منذ أواخر القرن التاسع عشر معلومات عن حرارة الطقس وتهاطل الأمطار، والجهات التي شهدت فياضات، وغيرها من المؤشرات، ومن ثمّة يمكن في سهولة كبيرة جدّا رسم خارطة المناطق المعنيّة بهذه الفياضات، واستباق تهاطل الأمطار.

منطقيا، وحين نبتعد عن المطالب المشطّة، حيث لا يمكن أن تنجز أيّ حكومة ما هو مطلوب خلال سنة أو سنتين، فقط وجب ابتداع حلول بسيطة، أسوة بما فعلت وزارة التربية، حين أصدرت بيانا بإغلاق المدارس الابتدائيّة والمعاهد الثانويّة، عشية يوم 12 نوفمبر، كان ممكنا بكلفة بسيطة، التنبيه على سكّان منطقة بعينها عن طريق الارساليات القصيرة، مثلا.

هذه الوسيلة ليست سهلة وبسيطة ومتداولة، فقط، بل هي قليلة الكلفة، وقد أصبحت جزءا من منظومة مقاومة الفياضات والحرائق في عديد دول العالم.

رحلت مهى القضقاضي عن الدنيا، بفعل تراكم أخطاء بدأت منذ تسلم جهات تونسيّة الحكم 1955 إلى يوم الناس هذا، والأخطر من الموت، أنّ الجميع سيعاود الصمت والسكوت ومن ثمّة نسيان الأمر إلى حين تحطّ على البلاد مصيبة مماثلة، ربّما هذه السنة أو السنة المقبلة.

غير مقبول الاكتفاء بالتضحية بهذا المسؤول أو ذاك، بدفعه إلى الاستقالة من باب تهدئة عمق شعبي متوتّر، حين تأتي الدولة في بعدها الوظيفي والرمزي هي من يتحمّل هذه المسؤولية، وبالتالي يجب أن تتحمّل هذه الدولة مسؤوليتها كاملة غير منقوصة.

يكفي لذلك، انجاز خارطة للفقر تشمل البلاد بكاملها، ومن ثمّة تأسيس تعاون بل هو تقاسم للمسؤوليّة مع منظمات المجتمع المدني وكذلك أصحاب النوايا الطيّبة من عمق هذا الشعب.

محاور:
:شارك