fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

المحاكمة بعد القضاء ليس بدعة

:شارك


حادث المرور الذي هزّ البلاد التونسيّة لم يكن بسبب عدد الضحايا فقط، بل أصلا بفعل طريقة الموت البشعة لمواطنين تحوّلت رحلة أرادوها رائقة إلى مصيبة، أو هي مصائب، مسّت العائلات ومن ورائها بلدًا بكامله. هو إرهاب بأتمّ معنى الكلمة.
في تجاوز للصدمة التي لا يمكن التقليل منها، ورغبة في قراءة الوضع بعقل بارد تتطلبه خطورة الوضع، وجب التذكير أنّ نفس المكان عرف حادثا مماثلا بالتمام والكمال منذ سنتين : سقوط حافلة في نفس المنحدر، مع عدد مقارب من الضحايا. حينها قامت الدنيا مثلما هي الآن ومن ثمّة قعدت، لتعود لتقوم راهنًا، وتعود لتهدأ مجدّدًا.
مكانة الفرد المواطن في أيّ مجتمع تأتي المحدّد الأوّل لشكل النظام وما هي قدرته على إقامة العدالة والاستجابة للحقوق. رائع أن ننهض جميعًا عند قيام الحادثة وأروع أن نعبّر عن السخط والغضب، لكن الأروع من الروائع ذاتها، يكمن في تجاوز العاطفة والتركيز على الأسباب التي قادت إلى مثل هذه الحادثة.
هي عقليّة بكاملها وليس فقط تصرّف وردّ فعل تجاه حادث بعينه، لكن الحادث يمثّل أنموذجًا عن تصرّفات الدولة وأجهزتها، التي كان عليها أن تبحث عن الأسباب التقنيّة التي أدّت إلى حادث 2017.
مرّت حادثة 2017، كأنّها مجرّد عثرة لا تستوجب ردّا أو اهتمامًا وها هو الحادث ذاته يعود في ذات الشهر وذات اليوم بعد سنتين، ليكون السؤال عن امكانيّة أن تقع مصائب جديدة، دون أن نكون استخلصنا الدرس وخرجنا بخلاصة أن الحادث الذي لا نقرأ تفاصيله ولا نحلّل أسبابه ولا نعلم أساليب الاتقاء منه، هو حادث سيعود ويضرب مرّة أخرى.
أشياء عديدة تغيّرت على مدى السنوات الفارطة أو هي الأشهر إن لم نقل الأسابيع المنقضية، لم يعد العمق الشعبي يتحلّى بالصبر ذاته، ومن الأكيد أنّ هذه الفاجعة قد حذفت بعضًا من رصيد الثقة بمؤسّسات الدولة، ودون أدنى شكّ لن يستمرّ الصمت على حالها أو هو وضع التواكل والتسيّب وأساسًا السلبيّة التي طبعت ولا تزال الردّ الفعل الشعبي.
لا يمكن فصل هذه الفاجعة في بعدها الأليم والمحزن عن الوضع العام في البلاد. حادث مرور قاتل مع هذا العدد المرتفع من الضحايا يجدّ وسط حال من التوتّر المشوب بالكثير من الحذر والحيطة وخاصّة الترقّب، بل يمكن الجزم دون أدنى شكّ، أنّ لولا حالة الاستنفار التي تعيشها الساحة السياسيّة في ترقّب لتشكيل الحكومة، ما كان لهذه الفاجعة أن تؤتي الفعل ذاته.
يمكن الجزم أنّنا أمام قطرة انضافت إلى كأس بدأ يمتلأ، ومن الأكيد دون السقوط في سوداويّة قاتلة أو شعبويّة مقيتة، أنّ البلاد تملك فرصًا عديدة وجادّة وأساسًا هامّة لمغادرة منطقة الخطر، سواء مثل هذه الفواجع أو حالة الاهتزاز السياسي القائمة، بدءا بتأصيل المحاسبة دون محاباة أو شماتة أو انتقام، وكذلك وضع الإنسان في قلب الرؤية التنمويّة، وثالثًا التأسيس على هذا التراكم من أجل إقامة لدولة العدالة للجميع.
 

محاور:
:شارك