fbpx المشيشي وامتحان السلطة: نظافة "السيرة" وحدها لا تكفي! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

المشيشي وامتحان السلطة: نظافة "السيرة" وحدها لا تكفي!

Share


قد يكون هشام المشيشي، رئيس الحكومة المكلّف، بلا خبرة سياسيّة، كما يتردّد داخل الصالونات السياسية التي لا تخفي امتعاضها من قرار رئيس الجمهورية المفاجئ باختياره هو دونا عن غيره، وقد يكون أيضا قادمًا "غريبًا" عن مشهد سياسي يرفع الفيتو أمام النوايا الصادقة، وقد لا تشفع له خبراته كرجل إدارة بامتياز، ونظافة سيرته من الشبهات واستقلاليّته عن الأحزاب في أن يمرق بسهولة من اختبار منح الثقة، وكلّ ذلك صحيح إلى حدّ مّا،  بيد أنّ هذا لا يعني شيئا أمام ما ينتظره من تحدّيات جسام في صورة نيله للثقة داخل البرلمان. فاتكاء الرّجل ذي الخلفيّة الإداريّة والقانونية القوّية، والمعروف بانضباطه وحتّى تشدّده في إنفاذ القانون (وهذا ما يعابُ عليه، خصوصًا في طريقة تعامله مع احتجاجات أهالي تطاوين المشروعة، وإطلاق يد الأمن على نحو مبالغ فيه) على ثقة قيس سعيّد فيه وحدها، أو الدفع بمزاياه التي عددناها كشرط ضمان قادر على انتزاع ثقة الأحزاب فيه، قد لا تكون عوامل مساعدة بالمرّة أمام وضعيّة اقتصادية واجتماعيّة تتطلب "مفاوضا بارزًا" و"لاعبا ماكرًا" لديه من القدرات ما يسمح له بإنجاز المطلوب منه على الأقلّ في هذه المرحلة.
تكفير عن خطأ
والحقيقة أنّ اختيار هشام المشيشي من طرف رئيس الجمهورية، وتكليفه بتشكيل الحكومة القادمة، ساهمت فيه عدّة عوامل، نرى من المهمّ تبيانها وتفصيلها لأنّه تلقي الضوء على نحو ما على طبيعة الحقل الذي يتحرّك فيه رئيس الحكومة الجديد. فالرّجل القادم من مجالات الإدارة والحوكمة ومكافحة الفساد استفاد من خصومة باتت علنّية ولا تحتاج إلى أدلّة بين رئيس الجمهوريّة والأحزاب السياسية المؤثّرة، وعلى رأسها حركة النهضة، ليحظى بشرف التكليف. وهذه الخصومة تحديدًا تتغذّى على رؤى رئيس الجمهورية من جهة، ونعني تمثلاته للعمل الحزبي والنيابي، وعلى رعونة الأحزاب السياسيّة وتكالبها المحموم على السلطة حدّ ارتكاب الأخطاء القاتلة التي أحسن قيس سعيّد استغلالها "دستوريا" وعزّز بها قبضته على السلطة في غياب المحكمة الدستورية. وسيكون لهذه الخصومة تداعيات بالتأكيد سواء أثناء مشاورات تشكيل الحكومة، أو بعدها، إذا تمكن بالطبع من الحصول على ثقة النّواب، تداعيات هي بمثابة العبء على كاهل رئيس الحكومة المكلّف الذي سيجد نفسه بين نارين، نار رئاسة الجمهوريّة الطامحة في إعادة تشكيل المشهد وفق مقاربة تهدف إلى انتزاع ألغامه، ونار الأحزاب السياسيّة دون استثناء التي لن ترضى إطلاقا بلعب دور المتفرّج في مسرحية "وان مان شو" بطلها الوحيد هو رئيس الدولة.
وفي الواقع، ثمّة عبء آخر، لا يقل ثقلا وإرهاقا وهي ثقة رئيس الدولة فيه دونا عن غيره. فما هو ثابت لدينا أن اختيار هشام المشيشي كان اختيارا مدروسا، استغرق من الرّئيس الكثير من الوقت، لشعوره الضمني بأنّه أخطأ التقدير حين أنصت ليوسف الشاهد ومحمّد عبّو، عند اختيار إلياس الفخفاخ. والحقّ أنّ الرئيس لم يخف ندمه البتّة على ذلك الاختيار الذي تظافرت عوامل عدّة لدفعه إلى الواجهة، من بينها حالة الشلل التي عرفتها البلاد بعد سقوط حكومة الجملي في اختبار الثقة، وحداثة عهد رئيس الدولة بمنصبه، وما هو جعله سريع الاستجابة إلى تأثير المحيطين به في ذلك الوقت، مع إصرار حركة النهضة على إضاعة الوقت في مسائل كان يمكن تجاوزها بسهولة، لو التزمت بقواعد اللعبة وقدّمت شخصيّة وازنة، لا شخصية مجهولة كالحبيب الجملي، وفرملت طموحاتها خصوصا في ما يتعلّق بالحقائب الكبرى. ولهذا أخذ الرئيس عهدًا على نفسه بألا يكرّر الخطأ نفسه مرّتين، موجها اهتمامه هذه المرّة إلى وزير الداخلية ومستشاره القانوني في الوقت نفسه، وهو عامل قد يزيد من الضغط النفسي على المشيشي.
في مواجهة الامتحان
وإذ يقال عن المشيشي إنه يعرف كيف يكون صديقا للجميع، حسب ما أسرّ أحد المقرّبين منه لـ"شكشوكة تايمز"، وله قدرة على إقامة جسور تواصل حقيقية ومبنيّة على الثقة مع أبرز اللاعبين السياسيين، إلاّ أنّ "حزمه" و"تشدّده" قد يقفان عائقا أمام أولى الاختبارات التي سيتعيّن عليه خوضها، بلا حزام سياسيّ، أو خبرة بمناورات الهامش السياسي.
ومع ذلك، تؤكد مصادرنا أنّ رئيس الحكومة المكلّف سيسعى إلى إقناع الفرقاء السياسيين، بضرورة تغليب "الأهمّ" على "المهمّ" في هذه المرحلة، أي معالجة الملفين الاقتصادي والاجتماعي، وهما المحدّدان الرئيسيان لاختيار تشكيلته المثاليّة، التي سينحو فيها منحى الاستقلاليّة على حساب "الحزبيّ"، ما يعني إقناع أحزاب عنيدة ومصرّة على حماية حصصها بالتخلّي عن كلّ ذلك، مقابل منح صكّ على بياض لقادم مجهول "outsider" تقريبا على الساحة السياسية. 
ولهذا سيكون على المشيشي أن يظهر قدرات تفاوضيّة خارقة، لإقناع الأحزاب بالتعامل معه وفق قاعدة تغليب المصلحة العليا للبلاد على المصالح الحزبية الضيّقة، وخصوصا إقناع حركة النهضة المذعورة من إمكانية انتقالها إلى صف المعارضة أو حزب التيار الديمقراطي.
وفي صورة تخطيه هذا المأزق، دون أن "يخون" ثقة رئيسه فيه ويغضب الأحزاب الكبرى في الوقت نفسه، سيجد نفسه أمام امتحان كلّ الامتحانات، وهو مدى قدرته على بعث إشارات الأمل في حاضر ومستقبل البلاد، لكسب ثقة التونسيين الغاضبين من الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردّي، خصوصا أنّ الأسابيع الماضية شهدت اندلاع احتجاجات في الولايات المهمّشة والمحرومة من ثمار التنمية. لكنّ هذا الأمر يبدو صعبا مع ازدياد التوقعات المالية سوءا يوما بعد يوم، والبلاد تدخل ركودا اقتصاديا هو الأسوأ منذ الاستقلال، إذ يتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي في تونس إلى أكثر من ست نقاط حسب توقعات الخبراء، علاوة على حجم المديونية المرتفع وتضاؤل فرص الإنعاش الاقتصادي بسبب مخلفات جائحة كورونا محليّا وإقليميا ودوليا، يضاف إليها الأزمة الليبية، وتداعياتها الاقتصادية والأمنية على تونس. 
القادم أصعب
ومثلما أشرنا في عنوان المقال، سيرة هشام المشيشي وحدها لا تكفي، لأنّ القادم أصعب بالفعل، فحتّى في صورة تمكنه من نيل رضا الأحزاب على حكومته، ونجح في اختبار المجلس النيابي، تبقى مأموريته أصعب بالنظر إلى طبيعة المنظومة السياسية التونسية علاوة على الوضع الدولي المتأزم. 
صحيح أنّ الشارع التونسي ومن ورائه رئاسة الجمهورية تراهن على شخصه لقيادة السفينة في هذه المرحلة الصعبة، لكن مع مشهد نيابي ممزّق تقريبا بين "الإخوة كارامازوف"، وهو ما أصاب البلاد بشلل كامل بسبب حمّى اللوائح، وانصراف الكتل إلى تسجيل النقاط السياسوية على حساب الهوة الاقتصادية التي تهدد بابتلاع حاضر البلاد ومستقبلها، يصبح الهامش المتاح أمام المشيشي ضيّقا للغاية.
ومن ثمّة، على رئيس الحكومة الجديد أن يعي جيّدًا أنّ أهم عقبة أمامه تظلّ التعامل مع برلمان منقسم على نفسه، بل وتجاوز هذه الانقسامات دون المساس بجوهر المسار الديمقراطي، معولاً في ذلك على استقلاليته مع ترشيد "حزمه" لإثبات حجّة التعطيل على الأحزاب كما سبقه إلى ذلك رئيس الجمهورية.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
هشام المشيشي قيس سعيد رئيس الحكومة التيار الديمقراطي
Share