fbpx بين الأعراف والشغالين: سحابة صيف عابرة أم خلاف استراتيجي؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

بين الأعراف والشغالين: سحابة صيف عابرة أم خلاف استراتيجي؟

Share

 

في تاريخ العلاقة بين عملاقي المشهدين الاقتصادي والاجتماعي، أي منظمتي الشغالين والأعراف ومنظمة الأعراف، يندرُ أن نعثر على محطات التقاء كثيرة، فباستثناء تعايشهما المشترك في أوّل حكومة وطنية بعد الاستقلال، ودخولهما في قائمات موحدة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي آنذاك، أو ما قدماه للبلاد حين شكلا قطبا الرباعي الراعي للحوار وهو ما جنب البلاد أوار حرب أهلية، أو جلوسهما معًا لتوقيع وثيقة قرطاج بهدف إنقاذ الوضع الاقتصادي تحت رئاسة الراحل الباجي قائد السبسي،  لم تغادر العلاقة بين قطبي المشهد مربّع الصراع الناعم، وهذا أمرٌ أكثر من مفهوم بالنظر إلى طبيعة دوريهما. فمهمّة كلّ منهما هو الدفاعُ عن مصالح منظوريهما حتى وإن خالف هذا الدفاع أحيانا شروط     المنطق أو لم يراع مصالح البلاد.
غير أنّ الخلاف الأخير الحاصل بين المنظمتين بسبب اتهامات سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للمنظمة الشغيلة، لعدد من رجال الأعمال بالفساد، وهو ما أجبر منظمة الأعراف على الردّ بحدة، اعتبره المطلعون على كواليس المنظمتين، خلافًا "غير طبيعيا"، بل لم يكن خلافا مبرمجًا من الأساس في شبكة العلاقات المتصدّعة التي تشكّل المشهد السياسيّ. ومن ثمّة، نرى من المشروع أن نتساءل عن مبررات خلافٍ بين قطبين يفترضُ بهما اليوم قيادة منظومة الإصلاح الاقتصادي ودفع الفرقاء السياسيين إلى الجلوس إلى طاولة حوار واحدة، لا سيّما أن أصحاب المؤسسات والشغالين هم من يدفعون اليوم فاتورة الشلل السياسي الذي تعاني منه البلاد.  

مأزق الضغوط الداخليّة وهاجس التنفيس !

والحقّ أنّ النبش في الأسباب الحقيقيّة التي أدّت إلى هذا الخلاف لا يختلفُ البتة عن الحفر في أولويّات كلا المنظمتين. ذلك أنّ الادعاء مثلاً بأن تواضع أداء المنظومة السياسية برمتها في معالجة الملفات الثقيلة، ووضع الأزمة السياسية الخانق بين رأسي الجهاز التنفيذي، يعدّان سببا رئيسيا في اشتعال النار بين القطبين، لا يمكنُ فصلهُ عن التأويلات "السطحيّة" التي تدفعُ بقطبي المشهد إلى الفرن السياسي، وبالمثل، لا يمكنُ فصله عن الرغبات الثانوية لدى بعض الحساسيات السياسية في رؤية هذا الخلاف "المؤقت" يتحوّل إلى حربٍ "دائمة".
فالمنظمة الشغيلة تعاني من الضغوطات الداخليّة التي حتّمت تغيير أولوياتها في اتجاهِ الاستجابة لمطلبيات منظوريها الذين تضرروا من تداعيات الأزمة الاقتصادية التي فاقمتها جائحة كورونا، علاوة على وجود ضغوط "سياسية" حقيقية تطالبُ نور الدين الطبوبي، بفكّ الارتباط بالمنظومة السياسية الفاسدة، ورفع يدهِ عن حكومة هشام المشيشي- باعتبارها شريكا لا يمكنُ التعويل عليه فضلاً عن تحميلها مسؤولية ما يحدث الآن- كي لا يكونُ الاتحاد شريكًا في تحمّل فاتورة اقتصاديّة واجتماعيّة خانقة بدأت نتائجها تظهرُ إلى العلن.
وبالتأكيد ثمّة أيضا بعض التوابل الأخرى، التي تعرفها قيادات المركزّية النقابيّة، توابل لها علاقة واضحة بانتماءات عدد من قيادات الاتحاد إلى مضارب سياسية متنوعة لطالما كانت في مواجهة مباشرة مع حركة النهضة التي تعدُّ القلب النابض لوسادة الحكومة السياسية، وهذه الانتماءات بدأت تفصح عن نفسها بالفعل خوفا من استدراج مشاكل المنظومة السياسية إلى داخل البيت النقابيّ.
وإذا كان عامل التنفيس عن الخلافات الداخليّة يعتبرُ أحد عوامل تغيير الأولويات، فإنّ مسارعة حكومة المشيشي مؤخرا إلى تعزيز روابطها مع الأمانة العامة، في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، كموافقتها على اتفاقية الزيادة في الأجور أو توقيع وثيقة إصلاح المؤسسات العمومية، شكلت اللحظة المفصليّة التي دفعت بأولويّة إحداث تغيير جذريّ في سياسة المنظمة، أو تحديدًا أمينها العام، الذي راح يتحرّك في كلّ الاتجاهات لتقريب وجهات النظر بين الرؤساء الثلاث. ومن الطبيعي جدا، في وضع أزمة سياسية واقتصادية خانقة، أن تنفلت بعض "التصريحات" من عقالها، وتوجه سهامها نحو "طبقة رجال الأعمال" تحديدًا، أي إلى الجبهة المفضلة لعموم الشغالين، رغم أن المنطق يقولُ إنّ المنظومة التي خيّر الطبوبي استدراجها إلى منطق التفاوض والحوار هي من يتحمّلُ مسؤولية الأزمة على نحو مباشرٍ وصريحٍ.
والواقع يقولُ أيضا إنّ منظمة الأعراف هي المتضرّرُ الأكبرُ من تراجع النشاط الاقتصادي في البلاد، إذ تكفي جولة قصيرة داخل كشوفات وفيات المؤسسات الاقتصادية التي فاقمتها جائحة كورونا، أو مراجعة سريعة لتلكؤ الدولة في تنفيذ تعهداتها تجاه المؤسسات المتعثرة، حتى نقف على حدة الضغوطات الداخلية التي تشهدها منظمة الأعراف نفسها. 
وإذ كانت معالجة هذا الغليان الداخليّ تشكّل، دون مواربة، النقطة الأولى في أجندة سمير ماجول، إذ بات يحمّلُ الحكومة مسؤولية تردّي الوضع الاقتصادي علنا، بل ويعتبرها المسؤول الأول عن ضرب السلم الاجتماعي، وهو ما يفسّر ردّ المنظمة المتشنج على تصريحات سامي الطاهري، ذلك أنها لم تتوقع أن تأتي "الضربة" من شريكٍ دفع وما يزال فاتورة إدارة الدولة المهزوزة للوضعين الاقتصادي والاجتماعي.
وفضلاً عن كلّ ذلك، ثمّة ملاحظة نرى من المهمّ أن نسوقها، ملاحظة تتعلّقُ بطبيعة الرّجلين الذين يديران المنظمتين، فكما أثبتت كلّ المحطات السياسية السابقة قدرتهما على المناورة وانتزاع المنافع لصاح منظوريهما، أثبتت الأحداث أيضا قدرتهما على رفض أنصاف الحلول حدّ التصعيد. ذلك أنّ الطبوبي وماجول، عرف عنهما أنّهما "ماكيناتين" حقيقيتين، توجهان الدفة الاقتصادية للبلاد ناهيك عن الدفّة السياسية. وهذه الطبيعة "المتنمّرة" ذات القدرة الغريبة على المناورة، تمثّل نقطة التقاء، لا اختلاف، أخرى بين الرجلين الذين يعرفان جيّدًا أنّ البلاد تتأرجحُ فوق جرفٍ هارٍ، وأنّ الإنقاذ يمرُّ حتمًا عبر نزع القفازات الحريريّة وارتداء قفازات الملاكمة.

هل يصمدُ خلاف القطبين؟

إنّ اعتبار هذا الخلاف بين القطبين، تحالفًا "مؤقتا" أو نيران صديقة، تفسّرهُ في الواقع جملة من المعطيات لعلّ أهمّها، هو ملفّ المؤسسات الاقتصادية بشقيها العام والخاص، فضلاً عن تراجع كل مؤشرات الاقتصاد الحيوية، وارتفاع معدلات البطالة بسبب تعثر المؤسسات الاقتصادية، علاوة على ملفّ حارق آخر هو ملف المفاوضات الاجتماعية في القطاع الخاصّ، والمعلوم أنّ المنظمتين عوّدتا الشارع السياسي بالأجواء المشحونة، أجواء سرعان ما ينتهي بها الأمر إلى اتفاقاتٍ تعيدُ الأمور إلى مجاريها.
صحيح أن تباين الرؤى يظلّ السمة الأبرز لعلاقة القطبين ببعضهما البعض، وخصوصا في مسائل بعينها كالتفويت في المؤسسات الاقتصادية- التي يساندها الأعراف ويعارضها الشغالون- أو الصناديق الاجتماعيّة أو مسألة الانتدابات في القطاعين العام والخاص، ناهيك أن التوّجه الاقتصادي دائما ما شكّل نقطة اختلاف بين القطبين، خاصة حينما تجدُ ليبراليّة منظمة الأعراف نفسها في مواجهة النزعة الاشتراكية للمنظمة الشغيلة، إلا أن الأزمات الكبرى التي عرفتها البلاد، لطالما أرّخت إلى قدرة العملاقين على تجاوز خلافاتهما وانحيازهما اللامشروط إلى مصلحة البلاد.
ولا شكّ في أنّ "خلافا" كهذا الذي يطبعُ علاقة القطبين مؤخرًا، يعدُّ فرصة لبعض الحساسيات السياسية التي تسعى إلى إطالة عمر الأزمة، ولا تشعر بأيّ ارتياحٍ لأي تقارب محتملٍ بين قطبي المشهد الاقتصادي والاجتماعي، لإزاحتهما معًا ومنعهما من لعب أيّ دور متقدّمٍ في حلحلة الأزمة السياسية.
بالمحصّلة، نرى من المهمّ بمكان تفعيل دور مجلس الحوار الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره حاضنة مريحة للحوار بين القطبين، وصمام أمان حقيقي أمام أيّ هزات اجتماعية واقتصادية، على ألا ينحصر دوره في تنظيمِ المفاوضات الاجتماعية وإنّما في تحوّله إلى "عقل إقتصادي"، على شاكلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي وقع حلّه بعيد الثورة، قادر على وضع الخطط والاستراتيجيات وتمكين الحكومة، أيّ حكومة، من خارطة طريق اقتصادية واجتماعية توافقيّة. وهنا فقط، يمكننا أن نتحدّث عن ديمومة التحالف بين القطبين، تحالف لا تمليه الضرورة أو التنفيس عن المشاكل الداخليّة بقدر ما يمليه الأمن القومي لتونس. 
 

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
نور الدين الطبوبي منظمة الأعراف اتحاد الشغل الخلاف الحوار الوطني أزمة
Share