fbpx تحدّث عنهم الرئيس: من هم المتآمرون الذين يريدون تفجير الدولة من الداخل؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

تحدّث عنهم الرئيس: من هم المتآمرون الذين يريدون تفجير الدولة من الداخل؟

Share

 

مرّة أخرى، اختار رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد أسوأ توقيتٍ ممكنٍ لاستئناف نشاطهِ اللغوّي، بالحديث عن متآمرين يسعون إلى تفجير الدولة من الداخل، خلال إشرافه على اجتماع المجلس الأعلى للجيوش والقيادات الأمنية (وهو هيكل خياليّ لا أثر قانونيّ له) يوم الخميس الماضي، قال حرفيّا إنّ: "تونس تعيش ظرفا دقيقا قد يكون من أخطر اللحظات التي تعيشها البلاد"، وأضاف "هناك من يسعى إلى تفجير الدولة من الداخل عبر ضرب كل مؤسساتها وتغييب سلطتها في عدد من المناطق بعد ضربها وتفكيكها". والحق أنّ تصريحا كهذا كان يمكنُ أن يفهمَ في سياق الحرب الدائرة بين وحدات الجيش وحيتان التهريب، ومن ثمّة كنّا سنعيّنُ كبار المهربّين بأصابعنا قائلين: "حسنا هؤلاء هم المتآمرون على أمن البلد"، بيد أنّ الحقيقة تقبعُ في مكانٍ وحيد، هو رأس رئيس الجمهوريّة، وخيالاته، ذلك أنّ هذا التصريح المبنيّ على المجهول ليس الأوّل من نوعهِ ولن يكونَ الأخير أيضا، طالما أنّ الرئيس يرفضُ تسمية الأشياء بأسمائها مكتفيا في كلّ مرة بإلقاء قنبلة والمضيّ قدما دون أن يلتفت وراءهُ.

قنابل الرّئيس

فقبل هذا التصريح بأيّام، التقى الرّئيس بالسيد نورالدين الطبوبي، الأمين العام للمنظمة الشغيلة، للتباحث حول أوضاع البلاد وأزماتها، وفجأة،يقومُ الرّئيس في لحظة ميلودراميّة فارقة، يغبطهُ عليها أعتى مخرجي العالم، ويتوجّهُ نحو الكاميرا بالحديث مخاطبًا شعبهُ أو أشباحهُ قائلاً: " نحن مشاريع شهادة من أجل هذه البلاد وسنحميها رغم أن هناك من يحاول تفجيرها من الداخل". هل هذا كلّ شيء؟ لا.. فقبل لقائهِ بالطبوبي بأكثر من أسبوع، عاد الرّئيسُ من باريس، حيث التقى بالرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، وأدلى بتصريحات لقناة فرنسا 24، في نسختيها العربية والفرنسية، ومرّة أخرى يقفزُ الرّئيس على سياق الحوار نفسهِ ويكرّرُ الخطاب نفسهُ حول المؤامرات والمتآمرين الذين يسعونَ إلى تفجير الدولة من الداخل. قبل ذلك بشهرين، كرّر الرئيس اللازمة نفسها وهو يتنقّل ليلاً، في فترة الحجر الصحي، من منطقة شعبية إلى أخرى، بل وأكد وجود من يتآمرُ على تونس في كلّ لقاء شعبيّ يشرفُ عليه أو يزورهُ، دونَ أن يشفي غليل التونسيين في معرفة هوّية المتآمرين، بل وتسبّب في ارتفاع بورصة المزايدات السياسية واتهامه هو شخصيّا بتصفية حسابات عالقة مع أحزاب بعينها مثل حركة النهضة. فهل أن النهضة هي من تتآمر على البلاد؟ فإن لم تكن النهضة هي المعنيّة بكلامه، فمن يكونُ هؤلاء المتآمرون؟ نبيل القروي؟ عبير موسي؟ ذئاب وادي مليز؟ من بالضبط؟ حاشى لله أن نسخر من رئيس الجمهوريّة، ولكن وضع البلاد المتفجّر اقتصاديّا واجتماعيا وسياسيا، لا يحتملُ تصريحات هوّاماتية (fantasmagoriques) متفجرّة ومبنيّة للمجهول، دونَ أن يبادر هو، كقائد أعلى للقوات المسلحة التونسية، وكرئيس لكلّ التونسيين، إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة في حقّ هؤلاء (إن ثبت وجودهم بالطبع) ومكاشفة التونسيين بأسمائهم، لا الاكتفاء بترديد قصص خيالية تسقطُ أمامها قدراتنا التأويلية بالضربة القاضية.

أخطأ في حقّ نفسه وشعبه

والحقّ أننا لا نشكك في معدن الرّئيس وأصالتهِ وخوفهِ على تونس من العابثين بأمنها وأمن مواطنيها، وبالمثل، نعرفُ مدى حرصه على حماية الحوزة الوطنيّة، وابعاد تونس عن كلّ محاور الشرّ التي لا تجدُ أحزاب البرلمان غضاضةً في الاصطفاف خلفها، ومع ذلك، يخطأ الرّئيسُ في حقّ نفسهِ أوّلاً، حين يطلقُ تصريحاته المتفجّرة تلك ويتركها دون توضيح، ما اضعفَ حجّتهُ تماما، وحوّل ما يقوله إلى موضع تندّرٍ، ويخطأ في حقّ شعبه ثانيا، حينَ يرفضُ فتح قنوات اتصالٍ واضحة مع شعبهِ، بلغة مفهومة، وكلمات لا لبس فيها، وحقائق موثّقة وبالأسماء. وإذ أشرنا في أكثر من موضعٍ إلى أن مأزق الخطاب الرئاسي هو مأزقٌ تواصليّ بامتياز، فذلك بسبب إصرار الرّئيس نفسهِ على تغليف كلماتهِ بغموض غير أخاذ بالمرّة، وكأنّ الشعب التونسي، نخبا ومواطنين عادييّن، مطالبون بامتلاك قدرات تأويلية ميتافيزيقيّة لفهم ما يدورُ داخل رأسه. إنّ الحديث عن وجود مؤامرات، ومتآمرين يسعون إلى تفجير الأوضاع، وتقويض الدولة من الداخل، هو حديثٌ معلوم، إذ لم يخل بلد واحد في العالم من مجاميع خونة وعصابات ومافيات تتخّفى وراء السياسي، لا همّ لها سوى تحقيق مآربها الشخصيّة على حساب المواطنين، لكن أن نحدس وجودهم شيء، وأن نبادر إلى تقويض مخططاتهم بالقانون شيء آخر. وهذا ما غفل عنهُ رئيس الجمهوريّة. فهو الوحيدُ المنتخبُ انتخابا حرّا ومباشرًا من الشعب التونسي، وهو الوحيدُ الذي يتمتّع برصيد ثقة محترم لدى التونسيين، وهو الضمانة الوحيدة لوحدة التراب الوطني ولوحدة التونسيين، علاوةً على أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس مجلس الأمن القوميّ وصاحب المبادرة التشريعيّة. وهو ما يفرضُ عليه، من الناحية القانونية والأخلاقيّة، أن يبادر إلى قطع رؤوس الأفاعي لا إخبار التونسيين بمناسبة أو دونها بوجودها، داخل أسرّتنا. إنّ ما يخيفنا أكثر في خطاب الرّئيس الهواماتي هذا، ليس وجود المتآمرين، فالأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية قادرة على قطع دابرهم متى أشار الرئيسُ عليهم بذلك، ولكن في اختباء الرئيس وراء تصريحات مربكة كهذه، للتفصّي من المسؤولية واتهام "أطراف خيالية" أو "شركائه السياسيين" بأنّهم السبب في ما تعيشهُ البلادُ من فوضى، وفي هذه الحالة، فيم يختلفُ الرّئيسُ عمّن يتهمهم بالتآمر؟

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
قيس سعيد المؤامرة تفجير الدولة تونس رئيس الجمهورية
Share