تقديرموقف

  • "الخميس الأسود" و"ثروة الغنوشي": انتعاش بورصة التلاعب بعقول التونسيين! ratEREsc اثنين, 03/29/2021 - 09:54 "الخميس الأسود" و"ثروة الغنوشي": انتعاش بورصة التلاعب بعقول التونسيين!


    انتعشت بورصة الشائعات السّخيفة خلال الأسبوع المنصرم، مع تجاوز الأزمة السياسية في البلاد شهرها الثاني، بلا أملٍ في الانفراج. فمن فقرة ملتبسة وردت في كتاب محمد الناصر، "جمهوريتان ووطن واحد"، تمّ تأويلها كمحاولة انقلابية قادتها حركة النهضة ويوسف الشاهد للإطاحة بالرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، إلى ثروة راشد الغنوشي الفلكية التي تمّ تحديدها وفقًا لوثيقة مزعومة سلمتها المخابرات القطرية لمخابرات عبد الفتاح السيسي وانتهاءً بشائعة وفاة راشد الغنوشي في المستشفى العسكري، سقطت النّخبُ السياسية والإعلامية وصولاً إلى المواطنين العاديين في جبّ "خطير" وهو استخدام "الكذب" لتصفية الخصوم، دون أن يلقوا بالاً إلى حقيقةٍ لا تقلُّ خطورة عمّا وقع تداولهُ وهي مساهمتهم المتعمّدة في التلاعب بعقول المواطنين. 
    وهذهِ الشائعات التي تحلّقت حولها مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض المنصات الإعلامّية، بل وعدد من "الإعلاميين" المعروفين، على نطاقٍ واسع، كما يتحلّقُ الذبابُ على جيفة دابّة ملقاة على قارعة الطريق، ألهمت العقول المريضة فرضيات ذات أبعاد كابوسيّة، وتحاليل مغرقة في مناخات القتل المعنويّ، وخطابات "أباكوليبتكية" تلوّحُ بنهاية الدولة، دفعةً واحدةً وإلى الأبد، وانتقالُ الشعب التونسي إلى منطق سياسي جديد عمادهُ شريعةُ الغاب. ورغم أنّ تفنيد هذا النوع من الشائعات تحديدًا لا يحتاجُ سوى إلى شيء من العقل والكثير من سلامة الذوق والطويّة، إلا أنّ النخب استأسدت وراءها، حتّى بات إقناعها بأنّها تمارسُ فعلاً موحشا في حقّ نفسها وبلدها، أشبه بانتزاع ناب فيلٍ بالغٍ في موسم تزاوجه.  

    صناعة الكذب

    والحقّ أنّ هذهِ الشّائعات لن تكون الأولى ولا الأخيرة، ذلك أنّ الأخبار المزّيفة عادةً ما تنتعشُ في أوقات الأزمات، وتملأ الفراغُ الذي يخلّفهُ نقص المعلومات، ومن ثمّة تخلقُ واقعًا "بديلاً" في عقول النّاس، غالبًا ما يتوافقُ مع قناعاتهم وإسقاطاتهم الشخصيّة، وهو ما يتسّببُ في النّهايةِ في توسيع رقعةِ الاحتقان الاجتماعي وقطع آخر خيوط الثقة بين المواطن ودولته.
    فحادثة "الانقلاب المزعوم" على الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، تعيدُ إلى الأذهان مأزق شحّ المعلومات حول ملابسات وضعه الصحيّ في تلك الفترة وقدرته على إدارة مقاليد الأمور فضلاً عن طبيعة الصراع بينهُ وبين رئيس حكومتهِ يوسف الشاهد، فكلُّ ما نعرفهُ عن ذلك قليلٌ جدّا، مقارنة بالحدث المركزيّ وهو وقوع عمليتين ارهابيتين يوم الخميس 27 جوان 2019، تزامنتَا مع نقل رئيس الجمهورية إلى المستشفى العسكري. ففي كتابه "جمهوريتان ووطن واحد"، يقول محمد الناصر إنّ هنالك تفاصيل قدمها له وزير الدفاع حينها عبد الكريم الزبيدي، بخصوص اعتزام نواب حركة النهضة وتحيا تونس عقد جلسة عامة استثنائية خارقة للعادة لإقرار الشغور في منصب رئيس الجمهورية نتيجة وضعه الصحي وتعويضه برئيس الحكومة آنذاك يوسف الشاهد استنادا الى الفصل 84 من الدستور، بالمقابل شدّد محمد الناصر على أن فرضية تولي يوسف الشاهد لرئاسة الجمهورية مؤقتا بعد إعلان الشغور في منصب رئيس الجمهورية كانت واردة وأن عودته إلى المجلس أجهضت هذه الفرضية التي أكد انه لا يوجد إثبات عليها غير "الاستنتاجات التي وصل اليها بتجميع الأحداث وربطها ببعض". والحقّ أنّ هذه المسألة لم تكن يوما سرًّا بل وسبق طرحها إعلاميا بسبب غموض الوضع الصحيّ لرئيس الجمهورية، علما أنّ غياب المحكمة الدستورية عزّز النقاش حول فرضيات سدّ الشغور، ما يعني أنّ السيد محمد الناصر لم يأتِ بما هو غير معلومٍ بالضرورة لأغلب التونسيين، ولو وضعنا علاقات شخوص الواقع بعضها ببعض في سياقاتها الواقعية، وهي سياقات صراعٍ بالأساس، لاتضح بيسرٍ أنّ حكاية الانقلاب "مفتعلة" من ألفها إلى يائها، ذلك أن الدستور يضمن  انتقالاً سلسا للسلطة، حتى في غياب المحكمة الدستورية، وهو ما حصل في ما بعد بالفعل حين تولى محمد الناصر رئاسة الجمهورية خلفا لرئيس الدولة الراحل، فضلاً على أنّ المنطق يقولُ إنّ من الغباء أن يسعى الشاهد إلى تعويض صلاحياته الواسعة بصلاحيات مقيّدة أشهرًا قليلة قبل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية. وهذا الشحُّ المعلوماتيّ الواقعيّ يخلقُ بداهة فائضًا معلوماتيّا وكلاميا مصطنعًا، يساهمُ المسؤولُ السياسي نفسهُ في تغذيتهِ، مختفيا وراء "استنتاجاته الشخصية". 
    وقس على ذلك ما قيل حول ثروة الغنوشي المزعومة، إذ نشر مقال في صحيفة أسبوعيّة تحدّث بموثوقية عالية عن "وثيقة سربتها دولة قطر إلى مصر" (أين الوثيقة؟)، وقدمت أرقامًا بلا حجج أو دليل مادّي واحد، باستثناء إحالتها على ما قيل إنه مصادر متطابقة (ما طبيعة هذه المصادر؟)، بل ودون أن يطرح سؤال "من اين لك هذا؟" على المعني بالأمر أي راشد الغنوشي كما تقتضي الأعراف الصحفيّةُ ذلك. والنتيجة: انتشارُ الشائعة كالنار في الهشيم مجهضةً أيّ محاولة جدّية للتدقيق في ملفات المسؤولين السياسيين والحزبيين المالية. 
    وفي تقديرنا، لا تستحقّ إشاعة وفاة راشد الغنوشي التعليق عليها، ذلك أنّ إطلاقها لا يشفُّ عن انحدارٍ "أخلاقيّ" فحسب، وإنما عن رغبةٍ دفينة في تفجير الصراع من الداخل، لتلتهم شظاياه الشارع التونسيّ المنكفئ على أعطابه.
    وسيلُ الشائعات في تونس، للأمانة، لا يحتاجُ إلى مسؤول أخرق أو صحافيّ خاضع لأجندة أو مدوّنٍ لا يعرفُ كوعهُ من بوعهِ، ذلك أنّ كل ما يحتاجهُ هو "إرادة خبيثة" هدفها الرّئيسي تسجيل نقاط سياسيّة على حسابِ الخصم السياسي، وهذهِ قاعدة معروفة في أزمنة الأزمات السياسيّة، إذ ينحدرُ "الأخلاقيُّ" إلى ما هو أدنى من القاع، لترتيب المشهد وفق رغبات صنّاع "رأي" عديمي اللونِ والرّائحة والمذاق. 

    التلاعب بالعقول

    ولعلّ أخطر ما في ذلك كلّه أنّ هذا الهراء التآمريّ يجدُ لهُ آذانا صاغية لدى شريحة واسعة من المواطنين، شريحة حوّلها الخوفُ من المستقبل إلى أوعية جاهزة لاستيعاب كلُّ ما يقذفهُ صناع الرأي الخفيون من معطيات تخدمُ لعبةِ "تفكيك" و"ترتيب" المشهد السياسي. وهذهِ اللعبة لم تكتف مثلاً بالاستئثار بمواقع التواصل الاجتماعي فحسب، وإنّما تسللت إلى البرامج التلفزيّة، حيثُ عاينّا كيفَ يصبحُ زواج المتعةِ بين البرامج الموجّهة ولوبيات المصالح الضيقة مدخلاً لقتل المعلومة، وتقديم "السمّ في الدسم" للتونسيين. بل وطالت لعبةً شراءُ الذّمم سياسيين ونوابا وإعلاميين ومدونون تحوّلوا إلى أبواقٍ تردد الكذبة وراء الكذبة، لصبّ الزيتِ على النّار، في لعبةٍ تأثير تهدفُ في الواقع إلى إرباكِ كلّ شيء واختلاق واقع بديلٍ يتوافقُ مع اسقاطات شرائح من التونسيين.
    وإذ انطلقنا في البداية من مسلّمة تقولُ بأنّ الشائعات تنتعشُ في أوقاتِ الأزمات، فذلك لأنّ اليأس والخوف الممزوجينِ بالسّذاجةِ، تدفعُ بالنّاس إلى تصديق كلّ شيء والقبول بأيّ "هراءٍ" يلقى على مسامعهم. غير أنّنا يجبُ أن نميّز، معرفيّا ونفسيّا، بين نوعينِ من الشائعاتِ في تونس:
    ثمّة نوعٌ أوّل يتداولهُ التونسيّون بعفويّة على سبيل المزاح وتزجيةِ الوقت أو اليأس أيضًا، وهذا النوعُ مرتبطٌ أيضا بشحّ المعلوماتِ عمّا يحيطُ بهم. وبهذا الخصوص، تدغدغُ مثل هذهِ الحكايات الغريبة آمال النّاس المتعطّشين لانحسار الأزمة او للسخرية منها. ولو قيّمنا هذا النوع من الشائعات علميّا، لوجدنا أنّها تتفقُّ مع إسقاطات النّاس ورغباتهم الدفينة. وذلك هو حالُ التعاملُ مع المعلومات دومًا، ذلك أننا في تقييمنا لها، نقومُ بمقارنتها مع معارفنا وتجاربنا الشخصية ومعتقداتنا، فإذا توافقت معها، نميلُ إلى تصديقها، حتّى وإن كانت "مزيّفة" وخاطئة. ومن ثمّة تستغلُّ الشائعة هذا الاستعداد الغريزي لتقبّل كلّ ما يتوافقُ مع رغباتنا لتعزيز أحكامنا المسبقة ورفض ما يخالفها.
    وثمّة نوع ثانٍ، هو الأخطرُ على الإطلاق، يندرجُ ضمن تقنية "التلاعب بالعقول"، لأهدافٍ سياسيّة أو اقتصادية أو الاثنين معًا (لسوء الحظّ، يصعبُ فصل السياسي عن الاقتصادي اليوم في تونس)، كما هو الحال في الأمثلة الثلاث التي تعرّضنا إليها، وفي الحقيقة، يستندُ هذا النوعُ من الشائعات على وقائع حقيقية (شحّ المعلومات حول وضع الرئيس الرّاحل الصحّي، الغموض المحيط بثروة راشد الغنوشي...)، لتفكيك المشهد القائم وإعادة تركيبهِ لاحقًا بما يتوافقُ مع أصحاب الأجندات، وهنا مكمنُ الخطورة.
    صحيحٌ أنّ المدونّة التشريعيّة في تونس، خصّت مروّجي الشائعات في أزمنة الحروب- ونحنُ نعيشُ حقّا فترة حرب على كلّ شيء- بعقوبات صارمة، يصلُ بعضها إلى الإعدام، لكنّ ذلك لا يكفي للحدِّ من منسوبِ الشائعاتِ في بلادنا. قلنا إنّ ذلك لا يكفي، لسبب بسيطٍ، وهو أنّ التعامل مع الشائعة، يتطلبُّ قبل أي شيء آخر، تدقيق ما يصلُ إلينا من معلومات، وهذا التدقيقُ يستوجبُ إدراك هويّة مصدر المعلومةِ، والتأكد من تمتعه بالأهليّة والتخصّص، وأنّهُ لا يتلاعبُ بالعقول. ومن ثمّة، فإنّ الحرصَ على استقاء المعلومات من المصادر التي تحظى بالثقة أوّلاً وأخيرًا، هو ما يعزّزُ حصانة المواطن ضدّ الأخبار المزيّفة، و ضدّ كلّ من يسعى إلى النيلِ من أمنه وأمنَ بلاده.

  • Subscribe to تقديرموقف