fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

تونسيات في مهبّ الأعاصير

:شارك

 

يوم 07 نوفمبر على الساعة منتصف النهار ونصف، أمام مقرّ سفارة الجمهوريّة الفرنسيّة بتونس العاصمة، اجتمع نفر كبير من الناس، أغلبهم من النسوة، للاحتجاج على هروب صاحب مصنع ألعاب، كان يشغلهم، غادر البلاد، دون تمكينهم من مستحقاتهم.

حسب مصادر اعلاميّة بلغ عدد الضحايا، لأنّهم فعلا ضحايا، 800 أغلبهم من النساء، يعمل أغلبهم في هذا المصنع منذ عشرين سنة، لينضاف هذا العدد غير الهيّن إلى طوابير المعطلين، الذي انقلبوا فجأة وفي غفلة من أمرهم، من نعمة «العمل» رغم المصاعب وغلاء المعيشة، إلى مستنقع البطالة، وما يليها من خصاصة وعوز وفقر، وما ينتج عن هذه الوضعيّة من مشاكل ومصائب اجتماعيّة، أهمّها الانحرافات بشتّى أنواعها، وتفاقم العنف الأسري بفعل التوتّر الذي يصبح طاغيا.

رمزيّة المكان، على قدر كبير من الأهميّة، حين اعتبر هذا العدد الهائل من العاملين وخاصّة العاملات، الدولة الفرنسيّة مسؤولة عمّا فعل مواطنها، حين غادر في جنح الظلام وترك العمّال والعاملات دون نيل حقوقهم.

هي مسؤوليّة الدولة التونسيّة، التي تنال ضرائبها من هؤلاء العمّال والعاملين، على مستويين، وضع قانون يمنع بل يقف في وجه هذا «التسلّل» خلسة، حين مارسه الكثير من المستثمرين الذين تمتّعوا بما هو ممنوح من قبل قانون أفريل 1972، الذي مكّن الاستثمار الأجنبي من مزايا لم يحلم بها المستثمر المحلّي.

كذلك من مسؤولية الدولة التونسيّة متابعة حقوق مواطنيها، وتحصيلها في فرنسا، حين تربط تونس بفرنسا عديد الاتفاقيات التي تضمن تطبيق أحكام هذا البلد من قبل ذاك، خاصّة وأنّ أعمار المتظاهرين والمتظاهرات، فاق الخمسين في أغلبهم، ومن ثمّة من الصعب جدّا، أن يجدوا عملا في سوق عمل مثل تونس.

هذه التظاهرة، وهذا التسريح، يمثلان مسمارًا في نعش قانون أفريل 1972، الذي يقدّم يدّ عاملة رخيصة إلى مستثمرين يأتون أقرب إلى الرّحل القادرين على المغادرة في سرعة كبيرة، من أصحاب استثمارات طويلة الأمد ذات نظرة استراتيجيّة.

هناك بلدان أخرى قادرة على توفير يد عاملة أقلّ كلفة من تونس، وبالتالي لم يعد من الممكن تقديم هذا العنصر ضمن نقاط جذب المستثمرين. فقط، وجب المراهنة على التكنولوجيات الحديثة، حين لا تمثّل كلفة اليد العاملة في ذاتها عنصرًا حاسمًا أو محدّدًا لقرار الاستثمار، بل يتأسّس القرار على عنصرين : كفاءة اليد العاملة وقدرتها على التأقلم والانتاج وتوفير انتاجيّة جيّدة، وكذلك قوانين تراوح شفافية المعاملات، بمعنى غياب الفساد والرشوة والمحسوبيّة، بما يضمن حقوق المستثمر.

من واجب الدولة ومن مهامها الأساسيّة، ضمان حقوق هؤلاء العاملين والعاملات، لكن الحقّ الأخر، الذي لا يقلّ أهميّة، يتمثّل في تحقيق يبيّن الأسباب التي دفعت هذا المستثمر إلى المغادرة، أو بالأحرى إلى الهرب على طريقة اللصوص.

خلاصة الأمر أنّ دفعة أخرى من الموطنين والمواطنين، يغادرون مرتبة «البرجوازيّة الصغيرة» بمعنى «العيّاشة» [باللسان الدارج]، إلى ما يمكن أن نطلق عليهم فعلا، ما قاله طه حسين عن «المعذّبين في الأرض».


 

محاور:
:شارك