fbpx تونس بلد "الزبونية" الدائم ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

تونس بلد "الزبونية" الدائم !

Share

 

مؤخّرًا، قامت الدنيا ولم تقعد، بعد تداول أكثر من موقع إخباريّ خبر تلقّي النائبة عن حركة النهضة وعضو اللجنة البرلمانية المكلفة بالإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، أروى بن عباس، للجرعة الأولى من لقاح كورونا خلسة في شهر مارس الماضي بإيعاز من المديرة الجهوية للصحة بمنوبة الدكتورة نبيلة قدور. 
وهذا الخبرُ سارع النواب والسياسيون إلى تأكيده (وبعضهم التمس الأعذار للنائبة "الغافلة" و"الطيبة") مشيرين إلى أنّ النائبة أروى بن عباس تلقت التلقيح بالمُحاباة رغم أنه لا علاقة لها بأي فئة من ذوي الأولوية في التلقيح. 
ومبعثُ الطرافة في هذا الخبر تحديدًا هو أن النائبة المعنيّة تلّقت الجرعة بالمحاباة، والمحاباةُ فسادٌ بيّن لا شبهة فيه، بينما تشغلُ عضوية لجنة مكلّفة بمكافحة "الفساد"، أي أنّ حاميها حراميها كما يقالُ، الأمر الذي يجعلنا نستحضرُ بشيء من السخرية الدامعة مطلع قصيدة أحمد شوقي العبقرّية "برز الثعلبُ يومًا***في ثياب الواعظينا"..
على أنّ المحاباة في تونس، كشكلٍ بيّنٍ من أشكال الفساد الذي لا يحتاجُ تبريرًا أو تدويرًا، يميطُ اللثام عمّا هو أخطرُ من ذلك، ونعني ههنا "الزبونية" السياسية التي حطّمت كلّ المصاعد الاجتماعية المعروفة والمشروعة، وحلّها محّلها، بل هي تحوّلت إلى طريقٍ سريعة يصلُ فيها كلّ من لا يستحقّ إلى مؤسسات الحكم، بلا ذرّة خجلٍ واحدة.  
والمعلوم أنّ عشر سنوات من الثورة العقيمة، ثورة هي في الواقع مجدوعة الأنف وحولاء، عرّت ورقة التوت عن طبقة سياسية باحثة عن التموقع ولو بذلت في ذلك ماء الوجه. وللشهادة وللتاريخ أيضا كنتُ أعرفُ شخصية سياسية، تقلدت منصبا وزاريا فيما بعد، كانت تهاتفُ الصحافيين المقرّبين من حركة نداء تونس صباحا مساء، لاعتقاد راسخ عندها بأنّ لهؤلاء الصحافيين علاقات جد وثيقة بالزعيم المؤسس، المرحوم الباجي قائد السبسي لمعرفة منسوب رضاه عنها وإمكانية تعيينها في الحكومة وهو ما تحقق في نهاية الأمر. 
مثلما أعرفُ أيضا مجموعة من الولاة والمعتمدين تدخّلت لفائدتهم قيادية مقرّبة من رئيس الجمهورية (تحت حكم آل قائد السبسي) لتعيين، وآخرون عينوا في جلسات المقاهي أو في جلسات خمريّة سفراء لتونس في الخارج أو مكلفون بمهام أمنية واجتماعية صلب قنصلياتنا وسفاراتنا في دول العالم. ولا نعتقد البتة أن الامر اختلف مع المنظومة السياسية الحالية، وهنا الأمثلة كثيرة ولا يتسع المقامُ لذكرها.
ونماذج المحاباة يمكنُ العثور عليها في أحد الاتجاهين، أو في الاتجاهين معًا، أي التعيين أو الإعفاء، وهو ما نجد له توصيفًا علميا دقيقا في الأدبيّات السياسية، حيث يطلق على هذه الممارسات وسم "الزبونية السياسية"، وهو مصطلح يختلف تمام الاختلاف عن مصطلحات المحاصصة أو التبعية.
وطالما حكاية "التلقيح" وغيرها فتحت شهيتنا على تعريف هذه الظاهرة، التي لم تنته بثورة 14 جانفي بل استفحلت بشكل غير مسبوق بعدها، يمكننا الاعتماد هنا على تعريف فرونسوا مدار الذي يقول إن "الزبونية السياسية هي علاقة تبعية شخصية غير مبنية على القرابة تقوم على التبادل الغير متكافئ بين طرفين هما الزبناء والوجهاء."
وهو ما يتوافق مثلا مع تعريف ايتيان برينو الذي يقول إنّ "الزبونية ميكانيزم تستعمله السلطة لدمج مجموعة هامشية أو محيطة والتي لها نسقها الثقافي الخاص الذي يوجه سلوكاتها وأفعالها."
وبالفعل فإنّ السلطة في تونس، تلك السلطة "الديمقراطية جدّا" حافظت على عاداتها وتقاليدها في تقريب بل وفي تمييز من لا كفاءة لهم وتمكينهم من المناصب العليا للدولة، شعارها في ذلك "الأقربون أولى بالمعروف"، حتى وإن تسببت هذه العلاقات الشاذة في إصابة جسد الدولة بالخلل وتجنيد مصالحها لخدمة "الوجهاء" من المتنفّذين في ظلّ وجود "زبائن" قادرين على تنفيذ ما يطلب منهم بكل الولاء والمنفعية المطلقة.
وحتى نختم موضوع "الزبونية" في تونس، أذكر أنه وفي دردشة خاطفة مع أحد المستشارين السابقين لرئيس الحكومة الأسبق السيد الحبيب الصيد، قال لي بالحرف الواحد:" حين كنت أطلعه على مشكلة في منطقةً ما إلا ووجدتُ المحيطين به يسفّهون ما أقول، وحين أشير إلى خلل ما كانوا يصرون على أن الأمور على ما يرام، وأعتقد أن هؤلاء كانوا السبب الرئيسي في سقوطه" !
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
الزبونية أروى بن عباس النهضة التلقيح كورونا السلطة مجلس النواب
Share