fbpx تونس بين براثن غول الجريمة: تعدّدت الأسباب والرعب واحد! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

تونس بين براثن غول الجريمة: تعدّدت الأسباب والرعب واحد!

Share

 

لا يخلو بلدٌ مّا من انتشار الجريمةِ فيه، فطالما أنّ هنالك عدالة ورجال قانون، فسيكونُ ثمّة بالتأكيد خارجون عن القانون. ومع ذلك، تتخذُ الجرائمُ العنيفة في تونس منحى تصاعديّا منذ ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي، لتتحوّل إلى كابوسٍ حقيقيّ مسّ التونسيين في أقدس ثوابتهم أي ذلك الإحساسُ بالأمان.
 والحقُّ أنّ عمليات النشل والسطو المسلّح  (البراكاج) والاغتصاب وجرائم القتل باتت خبزًا يوميّا لوسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي (ثمة إحصائيات تؤكد وقوع أكثر من 25 جريمة كلّ ساعة)، بل أنّ تشابه هذه الجرائم اليوميّة خلق نوعًا من التطبيع النفسيّ مع الجريمة، في الوقت الذي تطوّرت فيه الجرائمُ عمومًا، واتخذت لها اشكالاً لم تكن معروفة للتونسيين قبل عشر سنوات، أو على الأقلّ لم تكن وسائل الإعلام تسلّط عليها الأضواء بشكل كافي.
وعلى سبيل المثال، كان لطفي حشيشة، كاتب عام اللجنة التونسية للتحاليل المالية قد تحدّث في ندوة صحافية في شهر ديسمبر الماضي، عن تغيّر هيكل الجرائم الأصلية الأكثر خطورة التي تتناولها اللجنة، مشيرًا إلى تموقع جرائم التهريب في صدارة الجرائم الأكثر خطورة بنسبة 74% خلال العام 2017 تليها جريمة الإتجار بالبضائع المسروقة ثم جريمة الغش وافتعال الوثائق، بينما تغيّر الترتيبُ خلال سنتي 2018  و2019 لتصبح جريمة الغش وافتعال الوثائق في المرتبة الأولى تليها جريمة التهريب ثم جريمة الفساد. كما برزت خلال السنتين الأخيرتين جرائم جديدة مثل الجرائم السيبرانية وجرائم الإتجار بالبشر وجرائم تخصّ المهاجرين غير النظاميين.
وعلى ذكر جرائم الاتجار بالبشر، كشفت مصادر رسمية عن تسجيل 1313 حالة اتجار بالأشخاص خلال سنة 2019، وهو رقمٌ لا يعكس في الواقع العدد الحقيقي لضحايا هذه الجريمة في تونس. مثلما لا تعكسُ إحصائيات وزارة الداخليّة العدد الحقيقي للجرائم المسجلة عموما في تونس، رغم ما تبذله وحداتها من جهود جبّارة للتصدّي لغول الذي بات يؤرق التونسيات والتونسيين.

تعدّدت الأسباب والرّعبُ واحد

والحقّ أنّ لا أحد ينكرُ نجاحات الوحدات الأمنية في تونس وهو ما ساهم في القبض على الجناة والمعتدين وفي فرض الأمن، إلى جانب ما تقوم به أجهزة الشرطة من أدوار وقائية عبر تعزيز انتشارها على الأرض. وبالمثل، ليس بوسع أي كانٍ إنكار أهمية المدوّنة التشريعية التونسية، إذ أنّ القانون التونسيّ يتضمن ما يكفي من الفصول الردعية ويعاقب بالسجن وبعقوبات شديدة تصل إلى الإعدام في بعض الجرائم، غير أنّ أجهزة الامن والقضاء لا يمكنها بمفردها مقاومة ارتفاع معدلات الجريمة إن لم يقع تشخيص الظاهرة وربطها بأعطاب البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 
للتذكير، كانت نسبة نمو الجريمة في تونس قبل عام 2011 في حدود 5 في المائة أي أكثر بحوالى 3 مرات من نسبة نمو السكان في تونس، وهو معدل يقترب من المعدل العالمي في الجريمة، غير أنّ معدلات ارتفاعها تجاوز نسبة الثمانية بالمائة أي أكثر بـ 7 مرات من نسبة نمو السكان، حسب تقديرات متطابقة.
والأسبابُ هنا متعدّدة ومتشابهة، غير أنّ أخطر ما في استتباعاتها هو تحوّل الجريمة من مجرد سلوكيات منعزلة إلى ظاهرة اجتماعية وقد تتحوّل إلى ثقافة مجتمعية ما لم يقع معالجتها من جذورها.
فعلاوةً على العاملين الكلاسيكيين أي الاقتصاد وتراجع دور المنظومة القيمية، بات سلوكُ الافلاتُ من العقاب الممارسُ سياسيًّا، واستثمار وسائل الاعلام للظواهر الإجراميّة على نحو تطغى عليه الإثارة، عاملين محفّزين لسلوك الاستهتار بالجريمة، حتى إنّها صارت ترتكبُ لأسباب بسيطة، وفي وضح النهار، كمحاولة السطو على دراجة مواطنٍ بجهة الملاسين وهي محاولة تصدّى لها أحد المواطنين المارين صدفةً ببسالة. ولو أخذنا الجرائم من أبسطها، كازهاق الأرواح من أجل سيجارة وتحويل وجهة القاصرات واغتصاب المسنات إلى أكثرها خطورة، كجرائم الاتجار في البشر والجرائم الإرهابية، لوجدنا أن الظاهرة نفسها تتغذّى من سلوكٍ بات لا يخشى أجهزة الردع في البلاد، علاوةً على ما توّفره جرائم ترويج المخدرات والإدمان عليه من مسوغات للخارجين عن القانون. 
وسيكونُ من السخف بمكانٍ ردّ الظاهرة فقط إلى العامل الاقتصادي وحدهُ، فإن كان صحيحا أن الأزمات الاقتصادية غالبا ما تتزامنُ مع ارتفاع معدلات الجريمة، العشوائية منها أو المنظمة، فإن الواقع يقولُ إنّ حالة الارتباك السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، التي تعيشها تونس منذ عام 2011، ساهمت في هشاشة البنية العامة للمجتمع وأضعفت مؤسسات الدولة، حدّ تفكك النسيج المجتمعي، وانهيار منظومته القيمية تمامًا، فعلاوة على تنامي معدلات الانتحار واستئساد الجرائم الإرهابية، صارت الأرواحُ تزهق من أجل سيجارة أو علبة جعة، ومن أجل مبلغ مالي بسيط قد يقتل شخص، وبهدف سلب هاتف جوال قد تغتصب النساء. كما تطورت الجرائم المنظمة كالتهريب والجرائم الرقمية وجرائم الاتجار بالبشر وتعدد اساليبها وتكتيكاتها، حدّ تورّط سياسيين كبار فيها، على غرار فضيحة النفايات الإيطالية الأخيرة.

وسائل الإعلام في قفص الاتهام

ولعلّ ما يخيفُ أكثر في تفاقم معدلات الجريمة في تونس هو تتفيه هذه الجرائم بواسطة وسائط الاتصال والإعلام، ذلك أن التناول الإعلامي للظاهرة الإجرامية طغت عليه هو الآخر ثقافة ال Buzz والإثارة ونسب المشاهدة، حتّى بات التطبيعُ النفسي مع الظاهرة مسألة ظاهرة للعيان، وتعززها كم الجرائم المرتكبة على كامل تراب البلاد.
ومن حق القائمين على العملية الإعلامية مثلاً التحجج بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانتشار المخدرات ودور المنظومة السجنية في تخريج المجرمين الجدد، لكن الواقع يقولُ أيضا إن إطناب وسائل الإعلام في تناول الظاهرة من زاوية الإثارة ودون احترامٍ لمعايير وأخلاقيات المهنة الصحافية، ساهم إلى حدّ كبير في خلق نوعٍ من الاستسهال الإجراميّ، طالما أنّ كلّ مجرمٍ مرشّحٍ لأن يكون ضيفًا على برامج القمامة، وهنا يكفي ان نقوم بجرد صغير لأعداد الفنانين والإعلاميين الذين تقع استضافتهم تلفزيا اثر خروجهم من السجن بعد تورطهم في جرائم استهلاك المخدرات أو جرائم أخلاقية ومالية لكي نقف على ملامح الجريمة الإعلامية الكبرى الممارسة في حق التونسيين.
وللأمانة، سيكونُ من المستحيل علينا أن نحيط بهذه الظاهرة نفسها في هذه الورقة، بيد أنّ هدفنا يظلّ بالنهاية هو التحذيرُ من خطورة التساهل مع الظاهرة الإجرامية في تونس، لا سيما أنّ أكثر من 80 في المئة، ممَن يرتكبون الجرائم هم من الشباب (بين 18 و30 سنة)، وهو ما يستدعي الانكباب وبكل ملّح على مقاربة الظاهرة في كل أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والاعلاميّة، مع تحيين المدونة التشريعية، لتحجيم هذا الغول الجاثم على أيام تونس ولياليها.
 

محاور
قضائية
الكلمات المفاتيح
الجريمة البراكاج البراكاجات السطو المسلح العنف تونس
Share