fbpx تونس مهددة بالعودة إلى مربع الاستقطاب الثنائي: من يجهز على الآخر أوّلاً؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

تونس مهددة بالعودة إلى مربع الاستقطاب الثنائي: من يجهز على الآخر أوّلاً؟

Share


من "ثورة التنوير" التي ينادي بها الحزب الدستوري الحر إلى "مسيرة دعم الشرعيّة" التي ترفعُ حركة النهضة راياتها، تباينت الطرائق وتوّحدت الأدوات الاستقطابيّة، أدواتٌ تتجاهلُ أزمات البلاد وهمومها، وتتنادى من أجل إعادة التونسيين إلى مرّبع الاستقطاب الثنائي.
 وبينما يرى أشدّ المتفائلين في عمليات التحشيد والتعبئة التي يقوم بها الحزبان المتصدّران لمختلف عمليّات سبر الآراء معركة كسر عظام جديدة قد تساهم في إضعاف هذين الحزبين "الرجعيين"، ينظرُ المتشائمون إلى أمر وكأنّه فاتحة لورطة جديدة قد تدفعُ البلاد إلى أتون مجهولٍ لا يقدر أحد على استكناه بل ومعرفة تداعياته على السلم الاجتماعي.
في غضونِ ذلك، ما بات واضحًا لعيون المتابعين، هو انحدار أهداف الديمقراطيّة الناشئة في تونس، من منطقة استكمال بناء دولة القانون والمؤسسات وتفكيك منظومات الريع الاقتصادي، والتحوّل إلى منوال تنموي اجتماعي قادر على توفير ضمانات الأمان الاقتصادي والاجتماعي، إلى منطقة الاستقطاب الهووي، والأيديولوجيّات الإقصائية المتطرّفة والمشاريع السياسية المتناقضة، دون أن تلوح في الأفق بوادر ميلاد خطّ سياسي واقتصادي ثالث يستجيبُ لتطلّعات التونسيين.

صراع رجعيّات بمعاول حداثية

وللأمانة أضحى ما يفعلهُ كلا الحزبين المتصدّرين للمشهد السياسي اليوم، أي الحزب الحرّ الدستوري التونسي وحركة النهضة، أبعد ما يكون عن استعراض القوة الفجّ، رغم ما في تحرّكاتهما من استعراض حقيقي للقوى، بل يبدو الأمر وكأنّه مرتّبٌ مسبقًا، بغرض ترتيب إحداثيات المرحلة القادمة.
فمذ أعلنت عبير موسي عن مشروعها الذي أطلقت عليه "ثورة التنوير"، وهو مشروع يتموقعُ علنيّا في خانة رفض منظومة الثورة وكلّ فاعليها، الرئيسيين منهم والثانويين، والانتقال بالمشروع إلى الشارع التونسي (اجتماع سوسة الأخير)، وعقارب السّاعة تدورُ في اتجاه ترسيخ مشروعها السياسيّ الذي لا يعترفُ بالقطيعة التي أنجزتها الثورة في غفلة من المنظومة السابقة، وإنما يعد نفسه استمرارا لدولة الاستقلال نفسها، وإيجاد حاضنة شعبيّة له. ويبدو أنّ انتشاء عبير موسي بنتائج عمليّة سبر الآراء الأخيرة التي بوأت حزبها المرتبة الأولى بـ 36.1 بالمائة (حسب سيغما كونساي) متقدما على حركة النهضة التي حلت ثانية بـ 16.8 بالمائة، كان عاملا حاسمًا ومحدّدًا في ظهورها المسرحيّ الأخير، ظهور استغلّته جيدًا، لتوجه نيرانها إلى كلّ رؤوس المنظومة الحالية، بما في ذلك رئيس الجمهورية قيس سعيّد الذي اعتبرته مسؤولاً على تردّي الوضع السياسي في البلاد. وما هو معلومٌ بالضرورة أنّ عبير موسي لا تخفي رؤيتها لطبيعة النظام السياسي الذي تنشده، وهو نظام رئاسي، مركزيّ، ينهي العمل بحالة الجوار التي تجمع بين السلطات الثلاث، ما يعني بداهةً أنّها السيّدة تسعى إلى تركيز أساسات جمهورية ثالثة، تمرُّ حتمًا عبر تعديل الدستور.
في الجهة المقابلة، حافظت النهضة على مقولاتها الاستراتيجية الكبرى وعلى رأسها الاستحواذُ على نصيب الأسد من كعكة الحكم مع ترك الفتات لمن أراد التحالف معها، فضلاً عن تحييد مؤسسة الرئاسة، ولم لا تحويلُ منصب الرئيس إلى كرسيّ شرفيّ، كما هو الحال في النموذج الإيطالي، طالما أنها تعرفُ جيدًا أن الشعب التونسي لن يقبل رئيسًا منها، حتى ولو تقدّم الغنوشي نفسه إلى هذا المنصب. واستعراض النهضة لقواها الذي حددت موعده ليوم السبت هذا، يخدمُ هدفين استراتيجيين في الواقع، الأول، الضغط في اتجاه الحفاظ على التركيبة الحكومية الحالية، أو الاتكاء عليها لتقديمِ بديلها الحكومي القادم. والثاني، مواجهة عبير موسي في ميدانٍ تعوزها الخبرةُ فيه، وهو الشارع بما يعني ذلك، من النفخ في أوار الصراع الهووي، لا سيّما أن قيادات النهضة لم تعد تستنكف من إطلاق وسم "الفاشيّة" على رئيسة الحرّ الدستوري. صحيح أنّ مقولات "الهوية الإسلامية الخالصة"، و"الإسلام في خطر"، لم تعد تأتي أكلها في العام 2021، بيد أنّ النهضة تلعبُ بسلاحٍ آخر، وهو تخويف أنصارها من المعتقلات والسجون و"الاستبداد"، في صورة انتزاع الدستوري الحرّ الريادة منها، وهو الأمرُ الأقرب إلى المنطق.
وبالمحصّلة، نحنُ أمام مشروعين، متشابهين في آلياتهما التعبوية، وفي توجهاتهما الاستئصالية، وأهدافهما التي افرزت أدواتهما الاستقطابية، غير أنّهما يتعارضان تمامًا، في قراءتهما لطبيعة النظام السياسي الذي تحتاجه تونس في المرحلة المقبلة.

أين الاقتصادي والاجتماعي في كلّ هذا؟

وههنا سيكون من العبث بمكانٍ أن نتساءل عن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لكلا المشروعين. ذلك أنهما ينتميان إلى "اليمين الليبرالي" الذي لا يجدُ غضاضةً في تثبيت أركان نظام الريع، والتعامل مع رؤوس الفساد، بل والانخراط الطوعي في سياق تثبيت المنوال التنموي القائم، مع ما يعنيه ذلك، أن أدواتهما الاستقطابية تنحازُ آليا إلى نماذج قديمة أو قائمة، بلا رغبة حقيقية في كسر الحلقة المفرغة التي تعيشها البلاد.
أضف على ذلك، لا شيء يوحي بوجود تيار سياسي ثالث قادر على انتزاع أحقية الدفاع عن المكاسب الديمقراطية ويطرح مسألة تحويل تونس إلى ورشة اقتصادية واجتماعية كبرى، بعد انفراط عقد الأحزاب اليسارية، وغموض موقف الرئيس من احتمالية استثمار شعبيته حزبيا، فضلاً عن ضعف الأحزاب السياسية الأخرى، وخصوصا أحزاب المعارضة البرلمانية.  
وحتى ما تبديه بعض الأحزاب من تفهمّ لمشروع قيس سعيّد، بغية استثماره سياسية، لا يعني صمود جبهتها الداخليّة، ذلك أنّ المعارضة التونسية عودتنا دائما على انقساماتها في آخر لحظة، وهو ما أحسنت النهضة استثماره في كلّ الأوقات، تماما كالحزب الحرّ الدستوري الذي بدا أقرب إلى المزاج الشعبي، رغم خلوّ جعبته من البدائل الاقتصادية والاجتماعية. 
ولعلّ ما يخيف أكثر في كلّ هذا، هو انزلاق الشارع التونسي إلى مرّبع الانقسام مجدّدًا مع ما يعنيه ذلك من تهديد جديّ لا لمكتسبات الثورة فقط، وإنّما، وهنا مبعث الخطورة،  في تأبيد وضع اللا استقرار السياسي مع ما يعنيه ذلك، من ترك مساحاتٍ كبيرة أمام منظومة الريع الاقتصادي لإعادة تعزيز تموقعها على حساب إرادة الشعب التونسي.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
استقطاب ثنائي عبير موسي النهضة سبر آراء الشارع قيس سعيّد
Share