fbpx جواز السفر أم جواز البقاء ؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

جواز السفر أم جواز البقاء ؟

Share

 

في مطلع الاستقلال، عقد مجلس بلدي لقرية شديد الفقر، اجتماعه الأوّل. سأل الرئيس الأعضاء عن المشاريع أو المشروع الأولى بالإنجاز. تراوحت الأجوبة وتنوّعت الآراء، لكنّ أحد الأعيان وكان فلاّحًا يملك أراض شاسعة وقصرًا فخمًا، اقترح أن تنجز البلديّة مسبحًا بمواصفات عالميّة، مخافة أن يغرق أبناء القرية في البحر عند قضاء العطلة الصيفيّة في أحد المناطق السياحيّة. علمًا وأنّ هذه القرية كانت حينها عبارة عن عدد قليل جدّا من المنازل، ومتجر صغير ومركز للحرس ومتجر، دون أن ننسى «ديوان الحبوب»، مع نسبة فقر عالية وبطالة شديد الارتفاع.

من استطاع فهم هذا الطلب، يستطيع فهم طلب تمكين النوّاب من جوازات سفر دبلوماسيّة، كأنّ مجلس نوّاب الشعب، وليد انتخابات جدّت منذ ثلاثة أشهر، قد حلّ جميع مشاكل البلاد والمصاعب التي يعيشها العباد، وآن للنائب أنّ يمدّ رجليه ويطالب بجواز سفر دبلوماسي.

المسألة لا تعني كلفة الجوازات، ولا تقف عن مسألة «الحقّ» من أساسه، بل هي تقع على مستوى «الصورة» التي يقدّمها «نوّاب الأمّة» عن ذواتهم، علمًا وأنّ صورة السياسي في مخيّلة الشعب، ليس بالجودة التي تليق بدولة أنجزت انتخابات، من الأكيد رغم الهنّات، أنّها ديمقراطيّة بالحدّ الأدنى الضامن للمشروعيّة الضروريّة، التي تجعل الخاص والعام، كما الداني والقاصي، لا يطعن في مشروعيّة هذه السلطة التشريعيّة.

وجب التذكير أنّ النائب الذي يسافر في مهمّة رسميّة أيّ بصفة نائب وممثّل لمجلس نوّاب الشعب، ينال «جواز سفر خاص» لا يمكّن من أيّ «حصانة خاصّة»، فقط يجعل معاملات شرطة الحدود والديوانة سلسة لا غير. كذلك يتسلّم النائب الجواز عند السفر ويرجعه إلى الجهة المانحة عند العودة إلى تونس.

القول أنّ النائب لا يستطيع أداء مهامه «دون جواز سفر دبلوماسي» أو أنّ نجاح المهام في الخارج مشروط بالحصول على هذه الوثيقة، مبالغ فيه أو هو مخالف للصواب، فقط ولا غير، الأمر لا يعدو أن يكون سوى تلبية لنرجسيّة النائب والرغبة أو الحلم والخيال، بأنّ «جواز السفر الديمقراطي» سيمكّنه من «سلطات أخرى» ويفتح أمامه المطارات وغير المطارات، كما انفتحت مغارة الكنز أمام علي بابا عند نطق كلمة السرّ.

عند النظر إلى عامّة الشعب، لم يعد جواز السفر لأعداد متزايدة من الناس رمزًا للسياحة وما هي لذّة السفر. عند استثناء فئة لا تزال تستطيع السفر للسياحة فعلا، فأنّ الغالبيّة الغالبة من التونسيين ممن يملكون جواز سفر، يستعملونه للسفر إلى الجزائر، وإلى ليبيا قبل تدهور الوضع، لشراء السلع سواء للاستهلاك أو بيعها وتحقيق بعض الأرباح، تحسّن الدخل الشهري أو هي المدخل الوحيد لعدد كبير من العائلات.

يمكن أن نتخيل مواطنا يقع تحت طائلة إجراء «أس 17» الذي يحرم المواطن من السفر إلى الخارج دون إبداء السبب، وما هو اللغط المتواصل عن هويّة الجهة صاحبة قرار المنع، وهو يشاهد نوّاب الأمّة، وقد صار همّهم إصدار قانون جوازات السفر الدبلوماسيّة هذه، علمًا وأنّ إعداد القانون تمّ في سرعة غريبة، ممّا يثبت مرّة أنّ النوّاب الأكارم، أشبه بحكاية ذلك الطبّاخ المسؤول عن إعداد وليمة أحد الأعراس، الذي يهدي قطع اللحم الأفضل إلى أبنائه وأقاربه.

في بلد همّ الناس البقاء والعيش حياة كريمة، يكون من الترف الحديث عن السفر أصلا...

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
Share