fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

حرب البسوس:صعاليك ينصبون، شرطة ترفع ودولة تكسر

:شارك

 

في الأنهج الخلفية لشارع الحبيب بورقيبة تجري مواجهات شبه يوميّة، فيها من الكرّ والفرّ والمباغتة ما يغري أفضل مخرجي الأفلام والمغرمين بالتشويق، بين باعة يرحلون من رصيف إلى رصيف في لمح البشر، يحمل كلّ منهم ما استطاع ممّا ملكت أيديه، ليعود ويرمي بها مناديا المارّة وهو يصيح بأعلى صوته أو وضع جهاز تسجيل يعيد الجملة ذاتها.

مشكلة مزمنة، تعود إلى عشرين سنة أو يزيد، بين باعة يريدون ويعملون على اقتلاع الخبز من الصخر، مقابل شرطة بلديّة، تريد وتعمل على فرض القانون.

من ساحة برشلونة، إلى نهج اسبانيا مرورًا بالسوق المركزيّة وما جاورها، نجد ذات الصراع. صراع بين بشر وصراع بين منطقين :

أوّلا : منطق دولة تأتي مؤتمنة على الأمن العام، وضرورة أن يخضع أيّ نشاط تجاري وجوبًا لجملة التشريعات الجاري بها العمل، ومن ثمّة لا مجال لممارسة أيّ نشاط بعيدًا أو في تعارض مع هذه التشريعات. منطق يسري ضمن جميع الدول، بل تأتي الديمقراطيّة منها أشدّ حرصًا، بل وصرامة عند التطبيق.

ثانيا : أمام البطالة المستشرية وقلّة فرص العمل، يلجأ عدد متزايد من المواطنين إلى تعاطي هذا النشاط التجاري، بحثًا عن لقمة العيش، التي تمثّل أحد أهم الحقوق البشريّة، وفق جميع مواثيق حقوق الانسان.

هو صراع بين «واجب الدولة» المعهود والطبيعي، بل والمطلوب بأن تكون الضامن والحكم، وبين أحد أهمّ الحقوق البشريّة في العمل وطلب الرزق.

من الأكيد أن حرب «البسوس» هذه، ستدوم دون توقفّ وفي تراوح بين الكرّ والفرّ، إلى حين التأسيس لمنظومة متكاملة تتمكّن الدولة من أداء دورها وكذلك تطرح أمام العاطل فرصة لممارسة التجارة وفق الاجراءات المنصوص عليها...

المشكل أوسع وأعمق، بل أشدّ خطورة بكثير من مجرّد كرّ وفرّ بين شرطة بلديّة من ناحية، مقابل «صعاليك»، بل هي تعني ما يفوق نصف اقتصاد البلد الخارج عن سيطرة الضرائب والرقابة الصحيّة وما يلزم من شروط توزيع السلع في البلاد.

هؤلاء «الصعاليك» لا يمثلون سوى الجزء اللظاهر من «جبل النار» الذي يحرق اقتصاد البلاد، ومن ثمّة تأتي محاربتهم أشبه بمداواة مرض عضال بمسكّنات لا تفعل في أقصى درجاتها سوى التخفيض من الحمّى لفترة جدّ قصيرة.

أحد ولاة العاصمة شرب مرّة حليب السباع  وأقدم على «غزو» نهج الملاّحة وأطرد من فيه من تجّار التهريب. هلّل الجميع وأشاد بما فعل الرجل، وهم يحسبون أنّه سيفتح الأنهج والشوارع والساحات التي احتلّها «الصعاليك»، مثلما فتح طارق بن زياد الأندلس، ليتبيّن بالكاشف أنّها «خرطوشة» يتيمة لا غير.

على أرض الواقع، نقدر الدولة تونسيّة في لمح البصر بما تملك من قدرة على ضبط هؤلاء «الصعاليك» والقضاء على هذه التجارة الموازية، لكن هذا الأمر اليسير على مستوى التنفيذ الأمني، يأتي شديد الكُلفة على المستوى الاجتماعي وما ينتج من انخرام سياسي.

في المقابل، لا تستطيع الدولة (ممثلة في الشرطة البلديّة) أن تلعب دور الأبّ الذي يشاهد أبناءه يرتكبون حماقات دون أن يفعل شيئا. لذلك تأتي «دوريات البلديّة» لتثب أنّ الدولة قائمة وأنّ الصعاليك يعملون بإذنها وأساسًا موافقتها.

محاور:
:شارك