fbpx حرب تونس على كورونا: نعم أخطأنا ولكن.. ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

حرب تونس على كورونا: نعم أخطأنا ولكن.. !

Share

 

لا أحد في تونس يقبل ارتكاب القيادة السياسيّة للأخطاء أو يحثها على ذلك، خصوصا وحرب تونس على جائحة كورونا، تدخلُ طورها الثالث، ومع ذلك، لا يمكننا تجاهل حقيقة أنّ الأخطاء المرتكبة محليّا أو دوليّا، تعدُّ إفرازًا لحرب كونيّة معلومة ضدّ عدوّ مجهول، وأنّها بشكل مّا، ساهمت في إدراكنا لحجم الكارثة واتخاذ ما يلزم من الإجراءات المناسبة. والأخطاءُ السياسية أو المجتمعيّة تدخل في طبيعة حربنا ضدّ الجائحة، بل ويمكننا القول إنّها تشكل المنهجيّة المثلى التي تدارُ بها الأزمة، في ظلّ عجز دول العالم عن إيجاد حلول نهائيّة لمكافحة فيروس كوفيد -19. 

وبهذا الخصوص، نعرفُ أنّ هناك مبدأ رياضيّا شهيرًا هو مبدأ "التجربة والخطأ"، مبدأ يقولُ أنّ العلوم الحديثة تعتمدُ على اختبار فرضياتها على أرض الواقع، وفي ضوء ذلك، نصلُ إلى الحقائق

بمعنى آخر، المشكلة لا تكمنُ في الخطأ ذاته، بقدر ما تكمن في الفشل في التعلّم من الأخطاء

ولو طبّقنا هذه القاعدة على تونس، لوقفنا على كمّ من الأخطاء المرتكبة في إدارتنا للأزمة المستجدّة، أخطاء تعلّمنا منها في الواقع، وما نزال نتعلّم منها، وهو ما من شأنه أن يصوّب نظرتنا إلى كيفيات التعامل مع الجائحة، ويحدّد منهجيّة إدارة الأزمة، ويمكنّنا من تجاوز السيناريو الأسوأ

ويكفي أن ننظرُ إلى ما اتخذتهُ رئاسة الحكومة من إجراءات مع بداية تسجيل أولى الإصابات في تونس، وعدم مسارعتها إلى غلق الحدود في مرحلة الأولى، وما تلاهُ من تداعيات أدّت إلى توسيع خارطة انتشار الفيروس.

 وهذا الخطأ لم يكن ناتجًا عن استهانة بالفيروس، أو عن غرورٍ يرى في الجائحة أزمة عابرة، وإنّما عن حذرٍ مشوبٍ بالتردّد، يتغذّى في الواقع من أزمات البلاد التي سبقت محنة كورونا، ونعني هنا الأزمة الاقتصادية.

 إغلاق الحدود أو اتخاذ تدابير صارمة تعطّل الإنتاج، مثّلت، في الواقع، أسوأ كوابيس حكومة تشكّلت حديثًا، وتسعى إلى إيجاد منافذ يتنفّس منها الاقتصادُ المرهق. وهذه الحقيقة لا يمكنُ تعميتها بتبريرات على شاكلةٍ اتخاذ ما يلزم من إجراءات لكلّ مرحلة من مراحل انتشار الجائحة، وإنّما فرضها واقعُ البلاد الاقتصادي. غير أن التجربة، ومن ثمّة الخطأ، قادا الحكومة إلى الرفع من مستوى إجراءاتها، عندما تبيّن لها أنّ ما ستربحهُ من تلك الإجراءات الحذرة، ستخسرهُ على المديين المتوسّط والبعيد، لتمرّ الحربُ حينئذ من طور تخفيف الأضرار إلى طور محاصرة وتطويق الوباء.

والأمرُ نفسهُ، تكرّر مع رئيس الجمهوريّة، إذ بدا أوّل الأمر، تائهًا ومرتبكًا، لا سيّما وقدماه تطآن للمرّة الأولى، أرضًا ملغومة، لا تدرك أغوارها بالقراءات القانونية، أو بفقه القضاء والدساتير المقارنة.

 ولذلك، خرج قيس سعيد إلى الشعب التونسي، في كلمةٍ أولى ساهمت في تغذية خوف التونسيين وزادت من حيرتهم وأصابت شعبيّتهُ في مقتل، خصوصًا، والرئاسة تدفعُ بصراع الصلاحيّات إلى العلن.

 ومع ذلك، أثبتت التجربة، ومن ثمّة الخطأ، أنّ لا خلاص من السيناريو الكارثي الذي يهدد البلاد والعباد إلاّ بالتنسيق مع بقيّة السلط، وحشد الجهود، كلّ الجهود، لمكافحة الجائحة. وهذه الاستفادة من الأخطاء السّابقة تعزّزت أكثر بتحرّكات الرئيس على الجبهة الديبلوماسيّة (وهو مجال صلاحياتهِ) بامتياز، من خلال تكثيف مبادراته واتصالاته بعدد من قادة وملوك وزعماء الدول، قصد تنفيذ ما تعهد به في كلمتهِ الأخيرة، أي تقديم مبادرة تونسية ترفعُ إلى مجلس الأمن الدولي، وهي مبادرة تدعو بالأساس إلى توحيد الجهود الدوليّة لمكافحة الجائحة، ونبذ الحلول الفرديّة

وللأسف، ما يزالٌ مجلس نواب الشعب، غائبا عن مسار "التعلّم من الأخطاء"، لأسباب يطغى عليها "السياسويّ" أكثر من "المبدئيّ"، وإلاّ كيف نفسّرُ تخندق المجلس (باستثناء مجموعة من النواب ينتمون إلى أحزاب الائتلاف الحاكم) وراء مبدأ "عدم تنازع السلط" "والفصل بينها"، بينما الواقعُ يقول إن إجراءات الحجر الصحيّ، في انتظار المرور إلى الحلّ الأقصى أي فرض الحظر الصحي الشامل، يتطلبُّ دخول البرلمان في فترة عطالةٍ، ومن ثمّة تفويضُ رئيس الحكومة، على معنى الفصل 70 من الدستور؟ 

وبخصوص هذه النقطة، يكمنُ خطأ رئاسة المجلس الجسيم، في عدم تقبّلها فكرة أنّ الفيروس قد يجبرُ البرلمان فعلاً على الدخول في حالة عطالة، وأنّ آليات العمل عن بعد، قد تصلح في العمل داخل المؤسسات الاقتصادية ولكنّها لا تناسبُ العمل التشريعيّ، بل ولا تناسبُ حربًا استثنائيّة بجميع المقاييس، تقتضي اتخاذ إجراءات استثنائيّة بمراسيم استثنائيّة.

ونحنُ، كمجتمع تونسيّ، راكمنا الأخطاء أيْضًا في علاقة بالجائحة، من خلال مظاهر الاستهتار والإقبال على التجمعات، واللهفة الاستهلاكيّة، وعدم الالتزام بإجراءات الحظر الصحيّ، بل إنّ بعضنا من القادمين من بؤر انتشار الفيروس، رفضوا تمامًا الدخول في العزل الإجباريّ، ما اضطرّ السلطات إلى المرور إلى الإجراءات القصوى، كفرض حظر التجوال ونشر دوريات مشتركة بين الأمن والجيش التونسيين.

 غير أنّ التجربة، ومن ثمّة الخطأ، وخصوصًا ارتفاع عدد الإصابات إلى 114، ووفاة 4 مصابين، وتعيين مناطق بعينها بؤرة للفيروس، كلّ ذلك وضع الشعب التونسي أمام مسؤوليته التاريخية في حماية نفسهِ بنفسهِ، أيّ في الإقرار بأن ما اتخذ من إجراءات يهدف إلى حمايته لا التضييق عليه، علاوة على أنّ هذه الإجراءات لا تستهدُف نمط عيشهِ وإنّما تسعى إلى ديمومته

وهكذا نرى أنّ الأخطاء المرتكبة لا تعني أننا فشلنا، وإنّما تقولُ لنا إننّا بصدد التعلّم. ذلك أنّ طريق الانتصار على فيروس كورونا ليست طريقا سلسة أو معبدة بالزهور، وإنّما هي طريق متعددة المطبات والعراقيل. وتكفي نظرة على الجارة إيطاليا ومعاينة مدى اختناقها بالجائحة، إلى حدّ تحوّلها إلى كارثة وطنيّة، باتت تهدد أوروبا بأسرها، لكي نقفَ على أهميّة التعلّم من أخطائنا وأخطاء الآخرين.

ولكن، هل هذا يكفي؟ بالتأكيد، لا.. لأنّ ما ينتظرنا بعد انزياح الجائحة، هو الأصعبُ والأخطر على حدّ سواء.

 الملفات الاقتصادية المعلّقة والأزمات الاجتماعية النائمة، إلى حين، كلّها مطبات وعراقيل تحتاجُ منّا تثمينًا لما تعلّمناه خلال صراعنا مع جائحة كورونا، كمبادئ التضامن و الانضباط للقانون ودعم جهود الدولة وخصوصًا التوقي من الأزمات المماثلة. ومن ثمّة، ينتظرنا عملٌ جبّار لتحسين البنى الصحيّة، وتثمين آليات العمل عن البعد، والتعويل على إمكانياتنا الذاتية والتخفيف من اعتمادنا على الآخر، خاصة الاتحاد الأوروبي، وتنويع شراكتنا المستقبليّة مع دول أخرى أثبتت التجربة أنّها الأقدر على مساعدتنا في أحلك الظروف.  

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
التجربة قيس سعيد تونس كورونا إلياس الفخفاخ مجلس نواب الشعب
Share