fbpx حكومة كفاءات مطعمة حزبيّا: هل ينجح المشيشي في تسويق خطّته؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

حكومة كفاءات مطعمة حزبيّا: هل ينجح المشيشي في تسويق خطّته؟

Share

بين حسابات رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، الطامح إلى إنهاء تغوّل الأحزاب وهيمنتها العقيمة على المشهد السياسي، وبين حسابات هذه الأحزاب المتخوّفة من انقلاب ناعم على نتائج الانتخابات، مع ما يعنيه ذلك من تغيير جذريّ على مستوى التوازنات السياسيّة، يدخلُ رئيس الحكومة المكلّف، هشام المشيشي، المرحلة الأخيرة من المشاورات بخيارين واضحين، لا ثالث لهما: إمّا تنفيذ الأجندة الأصليّة وتقديم حكومة كفاءات وطنية عنوانها الرّئيس "الاستقلاليّة" وإمّا القبول الجزئيّ بطلبات الأحزاب وتمكينها من موطئ قدم في الحكومة القادمة، دون المساس بجوهر الأجندة الأصليّة، وتجاوز رغبة الرّئيس في تقليم أظفار الأحزاب.
ومع وصول المشاورات إلى مرحلتها الأخيرة، بدأت سُحب الغموض في الانقشاع تدريجيّا، خصوصا بعد اللقاء السرّي الذي جمع هشام المشيشي، براشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، ساعات قليلة قبل انعقاد شورى النهضة، لقاء اختلفت مصادرنا في تأويله وتحليل استتباعاته وإن اشتركت كلّها في توصيفه بلقاء تحديد معالم المرحلة المقبلة.

تشكيلة المشيشي جاهزة

وههنا نرى من المهمّ بمكان توضيح نقطة على غاية من الأهميّة، نقطة تؤكد على أنّ الملامح العامّة لتشكيلة هشام المشيشي باتت جاهزة تقريبًا، بحقائبها ووزرائها وخطتها للإنقاذ الاقتصادي. 
ولئن أشارت مصادرنا إلى عدم تدخّل رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، في اختيارات رئيس حكومته، فإنّ الثابت لدينا هو حضور توجيهاته الطاغية على قرارات مستشاره المقرّب وأحد ثقاته في واقع الأمر، وهي توجيهات يغلبُ عليها طابعُ الحذر من هيمنة الأحزاب وما سبّبته تلك الهيمنة تحديدًا من نتائج سلبيّة على الأداء الحكومي طوال العشريّة الأخيرة. وما لقاءات المشيشي الأخيرة برؤساء الجمهوريّة والحكومات السابقين إلاّ محاولة منهُ لفهم هذه العلاقة الطرديّة تحديدًا، أي العلاقة بين دور الأحزاب وانتكاسة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وتفكيكها من الداخل، ومن ثمّة إعادة تشكيل المشهد وفق إحداثيات جديدة وحاسمة، تسعى إلى إنهاء الدور الحزبيّ في هذه المرحلة تحديدًا أو تقليص حضور الأحزاب إلى حدوده الدنيا لتعزيز فرص نجاح حكومته. 
بيد أنّ هذا الترتيب الجديد، اصطدم مجدّدًا بحسابات الأحزاب التي تجاوزت صدمة اختيار هشام المشيشي من طرف رئيس الجمهوريّة وتكليفه بتشكيل الحكومة القادمة، وقطعت مع بياناتها المخاتلة، لتعرب رسميّا عن مواقها من خطّة الثنائي سعيّد- المشيشي.

لا خروج عن النصّ

فحركة النهضة، أكبر الأحزاب السياسية في المشهد، شدّدت على ضرورة احترام الحكومة المُقبلة لدور الأحزاب والنتائج التي حصلت عليها خلال الانتخابات، علاوة التوازنات في البرلمان، حتى تكون لديها أغلبية تمكنها من تمرير القرارات والإصلاحات.
وهذا الموقف عبّر عنه عبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى الحركة، على هامش اجتماع يوم أمس، حين قال: "لا يمكن تشكيل حكومة بأحزاب أقلية لم تنجح في خلق أرضية لتضامن حكومي وبرلماني، لأن ذلك يجعلها غير مستقرة ويجعل رئيس الحكومة غير قادر على تنفيذ قرارات حكومته".
حزب التيّار الديمقراطي لم يخف بدوره انزعاجه من توجّه هشام المشيشي نحو تشكيل حكومة كفاءات، وانصبّت تصريحات أغلب قيادييه من التحذير من خطوة كهذه، ذلك أنّ استقرار الحكومة مرتبط أساسا بوجود حزام سياسي قادر على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من خلال خلق جسر من الثقة بين الحكومة والبرلمان تحديدًا. وفي الواقع، كان التيار الديمقراطي أوّل من بادر إلى التعبير صراحة عن رغبته في الإبقاء على وزرائه داخل الحكومة الجديدة، وتحديدا الثلاثي محمد عبو وغازي الشواشي ومحمد الحامدي، وهو ما يعكسُ تخوّفا لدى التيّار من انعكاسات خروجه المبكر من لعبة الحكم على مستقبله كحزب مع تراجع شعبيّته، حدّ التلويح بخيار الانتخابات المبكرة في صورة إصرار المشيشي على المضيّ في النهج الذي اختاره.
والأمرُ نفسه ينسحبُ على حركة الشعب المصرة هي الأخرى على تشكيل حكومة سياسية شرط إقصاء حركة النهضة منها، أو قلب تونس الطامح بدوره إلى دخول مربّع الحكم معتمدًا على الهدايا الثمينة التي قدّمها إلى حليفته، حركة النهضة، وآخرها الحيلولة دون سحب الثقة من رئيس مجلس النواب، ومقدّما إيّاها كمفاوض رئيس باسمه.
وبالمحصّلة، رفعت الأحزابُ بمختلف توجهاتها وتكتيكاتها، لافتة واحدة أمام هشام المشيشي، لافتة تقول إنّ الخروج عن النصّ، في هذه المرحلة المتقلبّة، أمرٌ قد يواجه بعدم منح الثقة، ومن ثمّة القبول بخيار حلّ المجلس لكيلا تخسر مواقعها نهائيّا في معركة ليّ الذراع بينها وبين رئيس الجمهوريّة.

تطعيم حزبي بشروط

وهذا ما يعيدنا بداهةً إلى خيار ثانٍ كنّا قد لمّحنا إليه في مقالات سابقة، وهو تطعيم تشكيلة هشام المشيشي بوجوه سياسية، ولكن من قيادات الصفّ الثالث والرّابع، بمعنى إرضاء الأحزاب بحقائب "تقنيّة" شرط أن يقع الاختيار على وجوه جديدة، بلا طموحات انتخابيّة، تتفرّغُ تماما لما هو مطلوب منها في هذه المرحلة. 
ولعلّ هذا ما يفسر اللقاء الذي جمع المشيشي براشد الغنوشي، خارج دار الضيافة، لقاء كان يمكنُ أن يظلّ سريا لولا مسارعة قيادات نهضويّة إلى تسريبه لوسائل الإعلام سعيا إلى إرباك خصومهم، في القصر أو داخل الأحزاب "المناوئة"، والإيهام بقدرة حركة النهضة على لعب دور محدّد في الأمتار الحاسمة من المشاورات، خصوصا أنّ اللقاء جرى سويعات قليلة قبل انعقاد شورى النهضة. وفي الواقع، جرى اللقاء بعلم رئيس الجمهوريّة، وكان الهدفُ منهُ بسط خطّة رئيس الحكومة المكلّف ومعرفة نوايا الحركة منها ومناقشة معالم المرحلة القادمة وتكاليفها أيضا. فبعيدًا عن حسابات الأحزاب والقصر معا، ثمّة ملاحظة جوهريّة تطرحُ نفسها بإلحاح على كلّ الفاعلين تقريبا، وهي أنّ تونس مقبلة على أشهر صعبة، أشهر قد تتحوّل إلى سنوات، من الأعطاب الاقتصادية والحرائق الاجتماعيّة، إذا لم يتداعى الجميعُ إلى دعم خطّة إنقاذ عاجلة، تركن السياسيّ جانبًا، وتقدّمُ الأهمّ على المهمّ.
ومن ثمّة، فإنّ مناورات الهامش، ومحاولات زعزعة ثقة المواطنين في حكومة لم تحظ بالثقة بعد، والتخويف من انقلاب ناعم يقوده رئيس الجمهورية من قصر قرطاج، كلّها عوامل لن تزيد سوى في تعفين الوضع وتعميق أزمات البلاد. 
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
هشام المشيشي مشاورات حركة النهضة التيار الديمقراطي قيس سعيد الحكومة
Share