fbpx روث البغال وطريق حنبعل! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

روث البغال وطريق حنبعل!

Share


قبل سنواتٍ اطلعتُ على دراسة طريفة أنجزها علماء من جامعة بلفاست الايرلنديّة، خصّصت بالكامل للطريق التي سلكها حنبعل لعبور جبال الألب الوعرة والصعبة، قبل أن يصل إلى روما ويحاصرها. ونحنُ ندينُ للمؤرّخين بوليبيوس و تيتوس ليفيوس بتفاصيل رحلة حنبعل التاريخيّة، إذ كتبا قصّة غزو روما   حسب شهادات لشهود عيان عاصروا القائد العسكري.
وهذه القصّة معروفة على نطاق عالميّ واسعٍ، إذ تقول إنّ القائد العسكري حنبعل عبر جبال الألب بصحبة عدة آلاف من الجنود وآلاف الخيل و37 فيلا جبال الألب متوجها إلى روما القديمة سنة 218 قبل الميلاد، وعند وصول القائد القرطاجي روما القديمة حاصر المدينة لعدة سنوات ومن ثم خسر المعركة. لكن رحلته عبر جبال الألب بقيت من الرحلات العسكرية المثيرة للاهتمام في التاريخ العسكري الحديث، كما أثارت الخلافات بين علماء الآثار والتاريخ حول الطريق التي سلكها حنبعل خلال عبوره جبال الألب الصعبة والوعرة.
بيد أن دراسة نشرتها جامعة بلفاست الإيرلندية في العام 2015، كذبت كلّ النتائج السابقة، وأعلنت توصلها إلى الطريق المحتملة التي سلكها حنبعل، فأشارت إلى أنّ القائد العسكري قاد قواته عبر جبل "كول دي ترافيرسيت" على ارتفاع 3 آلاف متر والواقع قرب الحدود الفرنسية الإيطالية وفي جنوب غرب مدينة تورين. ووجد الخبراء بالقرب من طريق جبلي آثار لـ "روث خيل" يعود تاريخها لنحو 200 عام قبل الميلاد.
وخمّن العلماء الذين أشرفوا على إنجاز الدراسة ثلاثة طرق محتملة لرحلة للرحلة وفقا للشهادات التاريخية. أحد هذه الطرق كان عبر جبل "كول دي ترافيرسيت" والطريقان الآخران المحتملان كانا عبر " كول دي مونتغينيفري" و"كول دي كالبير" قرب الحدود الفرنسية الإيطالية. 
من جهة أخرى، ذكر فريق البحث بأنهم تعرفوا على طرق حنبعل عبر رواسب التربة الغنية بالميكروبات التي كانت شائعة في روث الخيول، ونشروا نتائج بحثهم في دورية "أركيومتري". ولقد وجدت الدراسةُ لطريفة صدى واسعا لحظة نشرها، واحتفى بها علماءُ الآثار في بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبيّة، بينما واصلنا نحنُ التونسيون، المعنيون أكثر بتاريخ حنبعل، نومنا الهانئ وكأنّ الأمر لا يعنينا. 
في ذلك العام تحديدًا، أي سنة 2015، نشرتُ مقالاً قصيرًا في صحيفة المصوّر التونسية عن نتائج هذهِ الدراسة، وهو مقالٌ يتيمٌ ضاع بين زحمة المقالات السياسية، التي تعنى أساسًا بالحروب المشتعلة داخل قصر قرطاج الذي وصلهُ الباجي قائد السبسي، قبل عام، وبداية انفراط عقد حزب "نداء تونس"، قبل أن يخرج الرئيس الرّاحل على الجميع بفكرة أكثر طرافة وهي إعادة رفات القائد العسكري حنبعل من روما. وفي الحقيقة، لم تكن نيّة قائد السبسي إعادة رفات حنبعل أو غيرهِ، بل إحياء لطلب الزعيم الحبيب بورقيبة الذي زار تركيا في العام 1968 وزار المكان المرجح أن يكون قد دُفن فيه حنبعل وطالب بنقل رُفاته إلى تونس لكن الأتراك لم يوافقوا على ذلك ووعدوا ببناء ضريح له.
تتمّة القصةّ يعرفها التونسيون، فلا حنبعل عاد إلى تونس، ولم تنظم له جنازة عسكرية، ولم يبنَ لهُ تمثال برونزي طولهُ 18 مترًا في مدخل الميناء البونيقي القديم بضاحية قرطاج، ولم يتحقّق أي وعد من الوعود التي قطعها الرئيسُ الرّاحل لأبناء شعبهِ بإعادة رفات أحد أبناء شعبهم بعد أكثر من 2200 سنة على وفاتهِ.
وبلا شك، ينتمي حنبعل إلى التراث الإنسانيّ، لكنّ هذا لا يبرّرُ صمت السلط التونسية عن قضيّة مركزيّة كهذهِ، ذلك أن مستقبل الشعوب يتأسس على ماضيها ورموزها التاريخيّة. وحنبعل لوحدهِ حظي بكمّ هائل من البحوث والدراسات العلمية، لم يبزه فيها سوى قادة يعدّون على أصابع اليد الواحدة، حتى بلغ الأمر بالباحثين إل النبش في أحافير "روث خيلهِ" لمعرفة الطريق التي عبرها عبر جبال الألب، بينما نحنُ في تونس، منشغلون بالبحث في "روث البغال" لفهم طبيعة الطرق التي تسلكها النخب السياسية لتحقيق مصالحها واستجلاب المنافعِ لنفسها على حساب الشعب التونسيّ. نعم شتان بين من يبحثُ في روث الخيل لترميم سيرة قائد عسكري مازالت إنجازاته العسكريّة تدرّسُ إلى الآن في أهمّ الكليات العسكرية، وبين من يبحثُ في روث البغال لفهم ذهنيّة السياسيين في تونس، ذهنيّة قادت البلاد من مصيبة إلى أخرى.
وشخصيّا، بتّ مقتنعا بفكرة أن تحتفظ تركيا برفات حنبعل إلى الأبد، حتّى لا تلقى إلى... روث البغال

محاور
ثقافية
الكلمات المفاتيح
جبال الألب حنبعل تركيا الباجي قايد السبسي الحبيب بورقيبة
Share