fbpx شباب «عدمي» ودولة «عديمة الرؤية».. | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

شباب «عدمي» ودولة «عديمة الرؤية»..

Share


في دولة مثل تونس، ذات الدستور الذي قيل أنّه هزّ العالم، وانتقال ديمقراطي صار مضرب أمثال، لا الدستور بقي مرجعًا ولا الانتقال الديمقراطي أطعم ثمرًا. أكيد أنّ صورة تونس في الخارج، لا تزال «الأقلّ سوءا» بين التجارب المماثلة، لكن ذلك لا يمكن أن يتحوّل إلى رأسمال ضامن أو هو تأمين ضدّ الفوضى التي تتهدّد البلاد والعباد...

العنف من أجل العنف

لا تزال المنظومة السياسيّة الحاكمة، تنظر إلى الاحتجاجات التي تعرفها عديد المناطق والأحياء في البلاد التونسيّة، من منظور أخلاقي/قانوني وبالتالي أمني، يستوجب الردّ «الضروري» (من منظور ردعي) فقط. ليس مطلوبًا أن تترك وزارة الداخليّة وأجهزتها الحبل على الغارب، بل من الطبيعي أن تنزل قوّات الأمن إلى الشارع، بغية ضبط الأمر سواء منعًا للعنف في ذاته، وكذلك وقوفا ضدّ محاولات الاعتداء على الممتلكات العامّة كما الخاصّة، لكن من الضروري تأمين مقاربات أعمق الغاز المسيل للدموع وأبعد من العصا.
تدخّل وزارة الداخليّة وأجهزتها، يأتي أقرب إلى دواء مضاد للالتهابات، هدفه التهدئة دون القدرة أو الطاقة على الذهاب إلى أصل المشكلة وماهيّة الإشكال.
العنف الصادر على فئة الشباب في حاجة إلى مقاربات أخرى، لأنّ العنف في ذاته، وما ينتج عنه من سلب وسرقة، ومهما تكن الجهة أو الجهات التي قد تكون تقف أو هي تقف فعلا وراءهم، هو مجرّد «تعبير» عن :
أوّلا : رفض لشرعيّة الدولة برمّتها، أو على الأقلّ في شكلها القائم راهنًا، حين يعتبر هؤلاء الشباب أنّ الدولة ليس فقط لا تمثلهم، بل هي نقيضهم وخصمًا وجب مبارزته وحتّى إسقاطه لدى عدد غير هيّن من الشباب.
ثانيا : العنف يمثل «وسيلة التواصل» الوحيدة التي يراها هؤلاء الشباب قادرة على التعبير عن ما يختزنون في صدورهم، ولم يجدوا في وسائل الدولة وأدواتها منبرًا للتعبير البعيد عن فلكلور المنابر الإعلاميّة...
ثالثًا : إحساس عميق يشقّ أعداد متزايدة من هذه الفئة العمريّة، بعدميّة التعامل مع هذه الدولة، التي لا تصلح ولا تُصلح.

من العدميّة إلى الطهرانيّة

الشباب الذي يمارس العنف، يحمل رؤية نقيضة لما تحمل الدولة، بل هي «طهرانيّة» حدّ العدميّة، أي تستبطن كنس ومسح ما هو قائم من منظومات سياسيّة وإعلاميّة وحتّى اقتصاديّة واجتماعيّة، على اعتبار ذلك شرط أساسي بل إجباري، لبناء ما يحلمون به. دون أن تكون للغالبيّة الغالبة إن لم نقل الجميع من فكرة وإن كانت هلاميّة عن طريقة تشييد «الحلم» الذي يحملون.
يرتكب كلّ رئيس الجمهوريّة من قيس سعيّد، ورئيس مجلس نوّاب الشعب، وكذلك رئيس الوزراء هشام المشيشي، خطأ فضيعًا، في حال اعتبر أحدهم أنّ هؤلاء الشباب ينظرون إلى «شرعيّة الدولة» التي يقفون في أعلى درجاتها، في صورة السلطة الاعتباريّة التي تستوجب الاحترام وتستحقّ التقدير.
من جانب أخر، لا يأتي حظّ «المعارضات» أفضل حالا من المنظومة الحاكمة، بل ينظر الغالبية الغالبة من الشاب العنيف إلى «الطبقة السياسيّة» (حكما ومعارضة) على أنّها :
أوّلا : ليس فقط فشلت، بل هي الفشل ذاته، وهي العجز عن تلبية أدنى مطالبهم.
ثانيا : مصدر عنف ونفي وتمارس الإسقاط وحتّى القهر.
ثالثًا : تعتمد «ديمقراطيّة» جوفاء وعقيمة وعاجزة عن تلبية المطالب.

الغرق بالتوازي

كلّما غرقت الدولة في منطق «القانون» و«الشرعيّة» وأساسًا «العصا لمن عصا» كلّما قابلها الشباب بنفي قاطع للقانون وللشرعيّة والأخطر بعنف يقابل العنف «الشرعي».
لا يطرح هؤلاء الشباب أنفسهم بديلا بالمعنى الحقيقي للكلمة، لدولة يريدون اسقاطها، وإن كانوا يملكون مشاريع جدّ فضفاضة ورؤى هلاميّة، أقرب إلى الحلم في معناه الطوباوي من مشروع حكم حقيقي وقابل للتجسيد...
لا تزال الطبقة السياسيّة بكاملها أسيرة «شرعيّة الديمقراطيّة» وأنّ الصندوق قادر (رغم علاّته) على تشكيل ذلك «السدّ» الحامي من تيّار الشارع الجارف، بل هناك من يعتقد أنّه يملك من القواعد ما يضمن له شرعيّة «الشارع» إضافة إلى شرعيّة «الصندوق»، لكن ثبت بالتاريخ، أنّ العنف القائم على فكر عدمي، يجد تربة خصبة في أوساط شبابيّة يائسة، لا همّ لهم سوى تفجير ما يحملون من كبت…
 

 

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
انتقال ديمقراطي الديمقراطية العنف الدولة الشرعية الشباب
Share