fbpx في خفايا رسالة كريستالينا جورجيفا إلى هشام المشيشي ! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

في خفايا رسالة كريستالينا جورجيفا إلى هشام المشيشي !

Share

 

نزلت رسالةُ كريستالينا جورجيفا، مديرة الصندوق الدولي، بردًا وسلامًا على حكومة السيّد هشام المشيشي، إذ لم تكتف مديرة أهمّ شريك ماليّ لتونس خلال العقد الأخير بتجديد ثقتها في تونس، وإنّما مهدّت الطريق أمام الوفد التونسي الذي سيشدُّ الرّحال قريبًا إلى واشنطن، للتفاوضِ بشأن برنامج دعم جديد مع الصندوق.
والرسّالة نفسها تعدُّ في تقديرنا إحداثيّة جدّ مهمّة، لا من جهةِ التخفيف من حدّة هواجس الحكومة، المطالبة بتوفير حوالي 18.5 مليار دينار لسدّ ثقوب موازنتها العامّة، وتمويل حاجياتها الملحّة (كتلة الأجور، سداد الديون، نفقات الدعم،..) فحسب، وإنّما كذلك، لأنّها تقرُّ ضمنًا بأن تداعيات جائحة كورونا، وهي جائحة لم تعفِ ايّ دولة من تداعياتها الكارثية، لا تفسّرُ لوحدها أعطاب الاقتصاد التونسي.
صحيحٌ أنّ الأزمة الصحيّة فاقمت من حالة الإنهاك الاقتصادي، وهذا أمرٌ يمكنُ معاينتهُ بيسر، لا سيّما مع اقتصادٍ يعتمدُ كليّا على مداخيل القطاع السياحي والصادرات الفلاحيّة فضلاً عن صادرات المنتجات المصنّعة ونصف المصنّعة، إذ كان من نتائج حالة الذعر العالمية، وتسابق الدول نحو إغلاق حدودها للسيطرة على الجائحة داخل أراضيها، أن فرملت كلّ محرّكات الاقتصاد التونسية، وأجهضت كلّ توقعات حكومة إلياس الفخفاخ، قبل أن تستلم منها حكومة المشيشي القطار  وهو محمّلٌ بالمصاعب والأعطاب، لكنّ ذلك لا يعني البتة أنّ ازمة الاقتصاد التونسي طارئة أو مرتبطة بالجائحة، بل هي أساسًا أزمة هيكلية فاقمها انتفاخ كتلة الأجور، وتذبذب سعر البترول، وتهاوي سعر الدينار أمام العملات الأجنبية، وارتفاع نفقات الدعم وسوء التصرّف في المنتجات الفلاحيّة علاوةً على الإضرابات الوحشية التي عطلت الصناعات الاستخراجية، ما حوّل تونس إلى مورّدٍ للفسفاط مثلاً.
ولو أضفنا إلى كلّ ذلك، كلّ ما شهدتهُ البلاد من أزمات سياسية متلاحقة، نقفُ بكل يسر على مدى صعوبة التعامل مع وضعٍ اقتصاديّ خانقٍ كهذا، وضع يحتاجُ قبل أيّ شيء آخر، إلى تنقية المناخ السياسيّ، وإيجاد حلّ عاجلٍ لأزمة المنظومة السياسية اليت فتّتت السلطة بين أقطابٍ ثلاثة لا جامع بينها سوى الهوس بالصلاحيّات. 
ولكن واضحين، بخصوص هذه النقطة، لا مجال اليوم لأيّ حلّ اقتصادي دائمٍ في غيابِ حلّ سياسيّ دائم، ذلك أنّ السياسي هو المحضنة الأولى لكلّ برامج الإصلاح الاقتصادي وفي غيابِ هذه المحضنة تحديدًا يصبحُ الحديثُ عن توفير خطوط دعم مالي لتونس من قبل المؤسسات المانحة أشبه بصبّ الزيت على النار.
فهذا العام تحديدًا، ستضطرّ الدولة إلى سداد 15.5 مليار دينار من الديون، هذا فضلاً عن الإيفاء ببقية التزاماتها كالأجور ونفقات الدعم والتوريد، أي أن الدولة صارت تقترضُ لتسديد ديونها أوّلاً وهنا مكمنُ الخطر. وفي وضعٍ كهذا يطلُّ السياسيّ ثانية برأسه، لا من جهة العلاقة بين الرئاسات الثلاث فحسب، ولكن أيضا من جهة علاقة الدولة بشركائها الاجتماعيين، وهي علاقة سرعان ما تكشفُ عن مناطق التوتّر فيها إذا ما طرح موضوعُ الثلاثية الرهيبة أيّ الأجور والدعم والمؤسسات العمومية المتعثّرة.
وهذا ما أثارتهُ مديرةُ الصندوق كريستالينا جورجيفا تحديدًا في رسالتها إلى هشام المشيّشي، وهاهنا سنقتبسُ ما ورد فيها حرفيا: "ألاحظ بارتياح أنك عازم على الدخول في حوار مع الشركاء الاجتماعيين وشركاء تونس الدوليين، فيما يتعلق بـالإصلاحات ذات الأولوية التي يتعين تنفيذها. لضمان انتعاش قوي، من الضروري البناء على برنامج إصلاحي من شأنه أن يكون نتاج هذا الحوار والذي من شأنه أن يعالج نقاط الضعف الرئيسية والصعوبات التي تعيشها البلاد.  أتفق معك أيضًا على أنه من الضروري معالجة مشكلة استدامة المالية العامة والديون بشكل حاسم، وتنفيذ إصلاحات طموحة للمؤسسات العامة، وفاتورة رواتب الخدمة المدنية، ودعم الطاقة، وكذلك الاستمرار في تحسين مناخ الأعمال واستقرار القطاع المالي والإدماج المالي والحماية الاجتماعية والحوكمة ".
وهذا المقطعُ تحديدًا تضمّن خارطة الطريق التي يطالبُ بها الصندوق الحكومة التونسية أي الانكباب على معالجة ملفات كتلة الأجور والدعم والمؤسسات المتعثّرة، وهي ملفات غالبا ما اثارت غضب الشركاء الاجتماعيين وعلى رأسهم المنظمة الشغيلة. وإن كان صحيحًا أن الحكومة توفقت إلى إمضاء اتفاقية مع اتحاد الشغل بخصوص معالجة ملف المؤسسات العمومية المتعثرة (وهو اتفاق كان وقعه يوسف الشاهد أيضا مع اتحاد الشغل، دون أن يترجم فعليا إلى برنامج إصلاحٍ بأولويات واضحة)، فمن الأصحّ أيضا أن نقول إنّ تنقية المناخ الاجتماعيّ تعدُّ رهانا آخر لا يقلُّ خطورة عن الرّهان السياسي. 
لكلّ ذلك، رمى صندوق النقد الدولي بالكرة في ملعب الحكومة التونسية، مشترطا بدء المحادثاتِ بضرورة تسلّم برنامجٍ للإصلاح، يشملُ تلك الملفات الثلاث، وفوقها ملفات المديونية وتحسين مناخ الاستثمار وغيرها...بمعنى آخر، وضع الصندوق الحكومة أمام حتمية الاختيار بين المواصلة في النهج "الإنشائي" إياه أي إصدار ترسانة تشريعات وقرارات لا أثر لها في الواقع، وبين الانكباب الفعليّ على معالجة كلّ الملفات العالقة، وعلى راسها الملفيّن السياسي والاجتماعي.
بالمحصّلة، نرى من المهمّ بمكانٍ أن نتعامل مع رسالة مديرة الصندوق الدوليّ بحذرٍ شديدٍ، ذلك أنّ ما تضمنته من عبارات الدعمِ والمساندة، تخفي مطالب واضحةً ومنطقيّة للغاية، مطالب ينادي بها كلّ ذي عقلٍ في هذا البلاد، وما على الفاعلين السياسيين سوى التقاف مضامين الرّسالة الحقيقية، لا سيّما أنّ معارك القصور قّلصت كثيرًا من حظوظنا في الخروج إلى السوق الدوليّة، وساهمت في تعطيل مؤسسات البلاد بالكامل وارتهنتها إلى معارك، لن يخرج منها سوى الانهيارُ الاقتصاديّ رابحًا.
 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا الأزمة هشام المشيشي الإفلاس الإصلاحات
Share