fbpx في عقيدة الشيء ونقيضه: راشد الغنوشي يستنجد بالإدارة الأمريكية لتشويه خصومه! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

في عقيدة الشيء ونقيضه: راشد الغنوشي يستنجد بالإدارة الأمريكية لتشويه خصومه!

Share


انتهز راشد الغنوّشي، رئيس حركة النهضة، ورئيس مجلس نوّاب الشعب، فرصة عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأمريكية، لينطلق في حملة "علاقات عامّة واسعة"، تستهدفُ الانتليجنسيا الأمريكيّة بغرض تسويق صورة الحركة الإسلاميّة كحزبٍ حريصٍ على الديمقراطيّة الناشئة في تونس، مستجديًا في الأثناء مساعدة الإدارة الديمقراطية على حماية "المسار الديمقراطي" في تونس، ممّن وسمهم بالشعبويين الراغبين في إعادة تونس إلى حكم "الرّجل الواحد". 
وللأمانة، يتمتّع الغنوشي بحاسّة شمّ قويّة للغاية، حاسّة جعلته يحدسُ أنّ فترة الجفاء التي طبعت علاقات مراكز القرار في الولايات المتحدة الأمريكيّة بالأحزاب الإسلاميّة، في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط تحديدًا، شارفت على النهاية مع صعود جو بايدن، هذا الديمقراطي الذي لا يخفي رغبتهُ في الاستمرار على النهج الذي رسم باراك أوباما إحداثياته الكبرى،  لا سيّما أنّ عهدة الرئيس السابق دونالد ترامب تميّزت بالعداء المعلن للحركات الإخوانيّة بسبب صلاته الوثيقة بعاهلي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومن ثمّة، رأى راشد الغنوشي أنّ الفرصة لاحت لاسترجاع صلاته القديمة من بوّابةِ حملة علاقات عامّة، كانت صحيفة يو أس ايه توداي، أو أمريكا اليوم، مدخلها الرّئيس. وقبل مناقشة تفاصيل المقال المدفوع الأجر الذي نشر على أعمدة الصحيفة التي يسميها الصحافيون الأمريكيون بـ "Mc paper"، في إشارة ساخرة لاعتمادها المفرط على مسالك توزيع عملاق الوجبات السرّيعة، ماكدونالدز، تجدرُ الإشارة إلى أنّ المقال سبقتهُ، منذ مدّة، شائعة حضور راشد الغنوشي مراسم ترسيم جو بايدن، وهو ما سارعت النهضةُ إلى نفيه، بعد تحوّل الأمر إلى ما يشبه النادرة الطريفة، ولتعوّضها بخبرٍ آخر لا يقلّ طرافة عنوانه الرئيس، لقاء مرتقب بين الغنوشي ورئيسة الكونغرس، الهدف منه "تعزيز العلاقات بين البلدين، وتداول القضايا الإقليمية والدولية المشتركة" (هكذا !).

حملة علاقات عامة مدفوعة الأجر!

وبالعودة إلى مقال راشد الغنوشي على أعمدة يو أس إيه توداي، والذي قدّم نفسهُ فيه كناطق رسميّ باسم مجلس نواب الشعب التونسي، لا كرئيس للجهاز التشريعي، ثمّة جملة من الملاحظات نرى من المهم أن نعرضها قبل مناقشة مضمون المقال نفسه.
 فمن المعلوم بالضرورة لكلّ صحافيّ وباحثٍ مطلّع على الصحافة الأجنبيّة، أنّ صحيفة يو أس إيه توداي تعدّ من أكثر الصحف الأمريكية انتشارًا، رغم حداثة تأسيسها نسبيا (ثمانينيات القرن العشرين)، ومضامينها التي تعتمدُ على المادة الخبريّة بدرجةٍ أولى، مع التعويل أساسًا على الإعلانات التجاريّة، ويعودُ ذلك إلى اعتمادها على شبكة توزيع مبتكرة موزعة على الفنادق وشركات الوجبات السريعة مثل ماكدونالدز وغيرها، وهو ما جعلها أحد أكثر الصحف انتشارًا، رغم ضحالة مضامينها. كما تدينُ الصحيفة الامريكية بسمعتها إلى ما تنشرهُ من عمليّات سبر آراء تهمّ الداخل الأمريكي، ما يعني بداهةً قربها من مراكز القرار ومؤسسات الضغط واللوبيات المالية التي تتحكّمُ في العمليّة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا السبب وقع اختيارُ المكلف بإدارة حملة راشد الغنوشي، وهي حملة علاقات عامة كما أسلفنا، عليها هي بالذات لنشر مقالٍ قصيرٍ نسبيّا، بدا وكأنّهُ "استجداءُ" علنيّ "لمساعدة" التونسيين على حماية ديمقراطيتهم الناشئة.
 غير أنّ هذا "الاستجداء" كان مدفوع الأجر كذلك، وهو ما يوحي به شكلُ المقال نفسه، شكلٌ هو أقرب إلى المادة الإشهارية. فلا المقالُ المنشور على أعمدة الصحيفة بمقال رأي أو قراءة في واقعٍ مّا، ولا هو بالحوار الصحافيّ الذي يجرى عادة مع شخصيات مؤثّرة (والمعلوم أن هذه الصحيفة بالذات مقتصدة إذ تغيب عن أعمدتها القراءات والتحاليل ومقالات الرأي وحتّى الحوارات الصحافيّة)، ما يعني بداهةً أنّ راشد الغنوشي اشترى تلك المساحة تحديدًا لإيصالِ صوتهِ إلى مراكز صنع القرار و اللوبيات المتحكمة في الإدارة الأمريكية الجديدة. فماذا عن فحوى هذه المساحة الإشهارية؟

حين يطنب الغنوشي في المغالطات

والحقّ أنّ مضمون المقال لا يختلفُ البتّة عن شكله. وإن كنّا نتفهمّ حرص الغنوشي على وسم نفسه بالناطق الرسميّ لمجلس نواب الشعب، كيلا يسقط هو الآخر في فخّ ادعاءاته التي ضمّنها مقالهُ، باعتبارها جزءًا من السلطة التي كال لشركائه فيها التهم جزافًا، فإننا لا نتفهّمُ مع ذلك، حجم المغالطات التي أوردها، مستعديًا إدارة أجنبية على شخصيات سياسية تونسية، كال لها أبشع النعوت، بل وحذّر من "خطورتها" على المسار الديمقراطي في تونسي. 
أولى هذه المغالطات تعريضهُ برئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إذ حذّر من مساعي الأخير إلى إعادة تونس إلى حكم "الرجل الواحد"، وضرب "التعددية والنظام الديمقراطي" (هكذا). ولم يكتف بذلك، إذ أشار إلى أنّ الحالة الشعبوية في تونس، اتخذت طريق مهاجمة المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين السياسيين والأحزاب السياسية و"تعطيل" عملهم، وتغذية "الفكرة القائلة" بأنّ معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة من خلال العودة إلى حكم الرجل القوي "الأكثر فعالية" أو تنصيب "ديكتاتور" وفق تعبيره.
دعونا هنا نذكر راشد الغنوشي بأمرين على غاية من الأهمية: أوّلا، قيس سعيّد لم يسع إلى حدّ هذه اللحظة إلى إعادة الديكتاتورية إلى البلاد، بل أبدى أكثر من مرة احترامه لدستور البلاد التونسية. وما الأزمة الدستورية الأخيرة إلى برهانٌ ساطعٌ على ذلك. ولا نعتقد البتة أن رفض التحوير الوزاري الذي اشتمل على مجموعة من "الكفاءات" التي تحوم عليها شبهات الفساد ضربٌ لمؤسسات الدولة بل حماية لها من تغوّل طغمة فاسدة، كشف تقرير محكمة المحاسبات، طرقها الفاسدة في التحايل على إرادات الناخبين. ثانيا، من سعى على تعطيل مؤسسات الدولة هي الأحزاب نفسها، وعلى رأسها حركة النهضة، مذ دفعت بالحبيب الجملي إلى ورطة تشكيل حكومة ائتلافية قبل أن تطلب منه الاستقالة ليلة التصويت على حكومته، وباقي الأحداث يعرفها التونسيون. ومن وسمهم راشد الغنوشي بالحركات الشعبوية، وههنا يتحدث على أنصار الرئيس زائد حركتي الشعب والتيار الديمقراطي، كانوا وما يزالون جزءًا من اللعبة السياسية، بل وإفرازا للصندوق الانتخابي نفسه. فلماذا تغاضى الغنوشي عن حليفه ائتلاف الكرامة مثلاً وهو كيانٌ حوّل الشعبوية إلى منهاجٍ عملٍ؟ ولماذا تغاضى عن ذبابه الإلكتروني الذي بات عامل فسادٍ أخلاقيّ وسياسيّ، لا سيّما في استهدافه اليوميّ لرئيس الجمهوريّة وكلّ خصوم حركة النهضة؟ من يصرُّ على ارباك المشهد السياسي ورفض كلّ دعوات الحوار، وآخرها مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل؟ من خرج للناس في فيديو "غريب" مهاجما رئيس الجمهورية ومهددا بتغيير النظام السياسي إلى نظامٍ برلمانيّ صرفٍ، إن لم يكن راشد الغنوشي، "الناطق الرسمي"، باسم مجلس نواب الشعب؟
ولعلّ أعجب ما في الأمر أن يتزامن مقال الغنوشي مع المكتوب الذي وجّهه إلى رئاسة الجمهورية دعا فيه إلى حوارٍ يجمع الرؤساء الثلاث لبحث مخارج الأزمة. فكيف يقبل الرّجل على نفسه الجلوس إلى رجلٍ تحرّكه نوازع الاستبداد والشهوة إلى الحكم الفرديّ؟
ومغالطات السيّد الناطق الرسمي لم تعفِ أيضا أحزابا سياسية اكتسبت أحقية حضورها في المشهد، بالصندوق أيضا، كالحزب الدستوري الحرّ الذي وسمهُ بالرجعيّة، فمن وجهة نظر الغنوشي تحديدًا، عبير موسي تعدُّ خطرًا آخر على الديمقراطية التونسية، طالما أنّها تسعى إلى استعادة مجد المنظومة القديمة التي كنسها شباب تونس يوم 14 جانفي 2011 (شباب لم يشر الغنوشي في مقاله أن حركته أقصته من ممارسة حقه في إدارة شؤون بلاده يوم أمسكت الحكم في 2012). علاوة على ذلك، تضمن المقال "كذبتين" بحجم فيلين، الأولى خرافة "المساواة بين الجنسين" (والكلّ يتذكر موقف الحركة الرجعّي فعلاً من هذه المسألة)، والثانية خرافة مدوّنة حقوق الإنسان (والمعلوم أن التشريع التونسي متقدمّ في هذا المجال حتى من قبل سقوط نظام بن علي)، باعتبارهما منجزًا من منجزات الثورة التونسية. ونحنُ نتفهّم أنّ قصر المساحة الإشهارية حتّم على رئيس حركة النهضة الاقتصاد في شرح الأسباب والتغاضي تماما عن فترة حكم حزبه أو مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلد و الانفلاتات الأمنية التي تكشفت عن وجه الإرهاب القبيح وما تلاه من اغتيالات سياسية، ومحاولاته للسيطرة على حقائب وزارية بعينها كالداخلية والعدل، وسعيه المحموم إلى التطبيع مع رموز الفساد مقابل البقاء في السلطة. بيد أن ما لا نفهمه هو استجداء "العون الأمريكي" في مسألة داخلية بحتة، تهمّ التونسيين، مثلما لا نتفهم محاولة تشويه "الخصوم السياسيين" على أعمدة الصحف الأجنبية، حتى وإن تعلّق الأمرُ بمقالٍ إشهاريّ مدفوع الأجر، سعيا إلى إعادة تركيب الواقع السياسي وفق إحداثيات مختلقةٍ تمامًا. 
والواقع أن سوء الفهم سرعان ما يزول حين نتذكّر أن ازدواجيّة الخطاب، وقول الشيء ونقيضه، هي عقيدة راشد الغنوشي الرسميّة، وهذا مما يؤسفُ له حقّا، إذ كان يفترض بالرّجل، وهو شريك في السلطة ويرأس أخطر أجهزتها على الإطلاق، أي الجهاز التشريعي، أن يكون عامل وحدة واستقرارٍ، بل كان يفترض به أن يبادر إلى تنقية الأجواء السياسية ويتخلّى عن شهوته العمياء في احتكار السلطة، بيد أنه اختار مرّة أخرى الارتهان إلى الأجنبيّ، بعد أن أخبرته حاسّة شمّه المعطلة، أن بإمكانه التعويل على الإدارة الأمريكية الجديدة لتغيير الوضعيّة القائمة في تونس. والحقّ أنّ لما فعلهُ راشد الغنوشي ونشره كـ"ناطق رسمي"، اسمٌ واضح، لكننا نربأ بأنفسنا أن نشير إليه، حتى لا نتهم باستدعاء مفردات الماضي القريب!
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
راشد الغنوشي جو بايدن يو إس إيه توداي أمريكا قيس سعيّد عبير موسي مجلس نواب الشعب
Share