fbpx في غياب صندوق للطوارئ: ليس أمام الدولة سوى إعلان القوة القاهرة !  | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

في غياب صندوق للطوارئ: ليس أمام الدولة سوى إعلان القوة القاهرة ! 

Share

 

ما تزال حكومة السيد إلياس الفخفاخ ترفضُ مغادرة منطقة "التردّد" بخصوص توفير حزمة من الإجراءات تهدف إلى حماية المؤسّسات الصغرى والمتوسّطة ومواطن الشغل وتوفير أقصى درجات الأمان الاقتصادي والاجتماعي للفئات الاجتماعية الهشّة، رغم تحذيرات الخبراء الاقتصاديين ورؤساء المنظمات الكبرى بالبلاد. وإذ كان التردّد الحكومي محكومٌ بالخوف من إثقال الميزانيّة بأعباء ماليّة إضافيّة في مناخ اقتصادي صعب، فإنّ التلكؤ في اتخاذ إجراءات حازمة، وإن كانت مؤلمة، قد تكونُ له تداعيات أخطر من تحمّل المسؤوليّة الآن. ذلك أن تواصل انتشار الجائحة نفسهُ، رغم دخول البلاد في حالة من العزلة بعد إغلاق حدودها، لن يستهدف الرأسمال البشريّ فحسب، وإنّما سيعمّق الأزمة الاقتصاديّة نفسها ويرفع من منسوب الإنفاق العام، بل وسيوجّه الميزانيّة نحو أولويّات مستجدّة، يفرضها المستوى الثالث من انتشار الجائحة، أي رفع الإنفاق على القطاع الصحيّ

مؤسسات مهدّدة بالغلق ومواطن الشغل بالضياع !

وليس من باب التهويل في شيء، إن أشرنا إلى أنّ مؤسسات القطاع الخاصّ، وجدت نفسها بين فكّي كماشة إنهاء نشاطها أو تخفيض ساعات العمل، مع ما يشكّله ذلك من تهديد حتميّ لمواطن الشغل المباشرة وغير المباشرة.

والمعلوم أنّ القطاع الخاص في تونس يشغّل أكثر من مليوني تونسي (مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة)، علاوة على معاناته من جملة من الأزمات الهيكليّة السّابقة على انتشار جائحة فيروس كورونا، نتيجة ضعف القدرة التنافسيّة، وضيق الأسواق المحليّة، والتوريد العشوائي، وتراجع قيمة العملة المحليّة مقابل ارتفاع الأعباء الاجتماعية والجبائيّة، ما دفع ببعض الشركات والمصانع العاملة في قطاعات بعينها كالنسيج والجلود والأحذية والصناعات المعمليّة والصناعات التقليدية إلى غلق أبوابها وتسريح عمّالها.  

وهذه الوضعيّة الحرجة مرشّحة في واقع الأمر لأن تتفاقم أكثر، خصوصًا مع انتشار جائحة فيروس كورونا المستجدّ، وهو ما حدا بسمير ماجول، رئيس منظمة الأعراف إلى إطلاق صرخة فزع، داعيا في الوقت نفسه، إلى تكييف أزمة فيروس الكورونا كقوّة قاهرة

صحيح أنّ رئيس المنظمة تعهّد بإلزام المؤسسات بصرف أجور الموظفين حتّى في صورة توقف نشاطها، والحيلولة دون تسريح العمّال والموظفين، ولكن تعهدًا كهذه اشترط في المقابل اتخاذ الحكومة التونسيّة لجملة من الإجراءات لحماية النسيج الاقتصادي الهشّ

وإذ كان البنك المركزي قد بادر، كمؤسسة ماليّة مستقلّة عن الحكومة، حسب قانونها الداخليّ، باتخاذ جملة من الإجراءات بهذا الخصوص مثل التخفيض في نسبة الفائدة الرئيسية بمقدار 100 نقطة أساسية، لتبلغ 6,75%، وهو ما من شأنه أن يخفّف العبء المالي على المؤسسات والأشخاص الذين لديهم قروض لدى الجهاز المصرفي، وتوفير السيولة اللازمة للبنوك لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وإصدار منشور يحثّ المؤسسات المصرفية على إسناد المؤسسات المتعثّرة، ما سيساهم في الحفاظ على النسيج الاقتصادي وحماية مواطن الشغل، فإنّ هذه الإجراءات تظلّ دون المأمول ما لم تتحرّك الدولة في اتجاه توفير أقصى درجات الأمان الاقتصادي لهذه المؤسسات، عبر استخدام ذراعها الجبائي، وصناديقها الاجتماعية، للحدّ من تداعيات الجائحة اقتصاديّة

الدور الاجتماعي للدولة

وتدخلّ الدولة يجب ألاّ يتوقف هنا، ذلك أنّ تداعيات ضد فيروس كورونا لا تستهدف المؤسسات الصغرى والمتوسطة فحسب، وإنّما أصحاب المهن الحرّة، علاوة على كلّ أشكال التشغيل الهشّ في قطاعات متضرّرة بطبعها، كالفلاحة والسياحة

والمعلوم أنّ حزمة الإجراءات الوقائيّة تسبّبت في تسريح عمّال المقاهي والملاهي والمتاجر وعدد من المؤسسات الخدميّة، وهذه البطالة الإجبارية تستهدفُ في واقع الحال أكثر الطبقات الاجتماعية هشاشة. ومن ثمّة تصبحُ مسألة توفير الأمان الاقتصادي لهذه الفئات الهشّة مطروح بجدّية في انتظار مرور عاصفة كورونا، لاسيّما مع تعهد إلياس الفخفاخ، في خطاب تنصيبه أمام مجلس نواب الشعب، بالمحافظة على رياديّة الدور الاجتماعي للدولة.

وهذا الدور تحديدًا هو ما تحتاجهُ، الطبقات الشعبيّة والفقيرة، في هذه المرحلة الحرجة، خصوصا أن الدولة تتحوّز على آليات فعّالة لحماية هذه الفئات من خلال المؤسسات التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، ولما لا تمكين العائلات من إعانات دوريّة، تشملُ الحاجيات الأساسية على الأقلّ، في ظلّ توفّر قاعدة بيانات تيسّر حصر أعدادها. إنّ هذا الجهد قد يجدُ ضالته أيضا فيما يمكن أن توفره المؤسسات الاقتصادية الكبرى والبنوك ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيريّة من دعم إسنادي، لا ريب في أنّهُ سيعزز قدرة ضعاف الحال على الصمود إلى حين انفراج غيوم الأزمة.

إعلان القوّة القاهرة وقانون مالية تكميلي

صحيحٌ أن مختلف هذه الإجراءات ستربكُ حسابات الدولة، وتثقلها بأعباء جديدة، ولكنّها أعباء تظلّ، في مطلق الأحوال، أقلّ وطأة من الكلفة الباهظة للتردّد. وفي هذا الباب، تكرّرت دعوات الخبراء والاقتصاديين إلى إعلان القوّة القاهرة، كخطوة أولى يقعُ إسنادها بقانون ماليّة تكميلي يأخذُ بالحسبان تطوّرات الوضع الاقتصادي محليّا ودوليّا

والمعلوم أنّ إعلان القوّة القاهرة، في غياب صندوق طوارئ لتغطية أضرار الفيروس المستجد، يشكّل عبئا إضافيا على الدولة، لأنّه يلزمها بتأمين خسائر المؤسسات الناجمة عن توقف النشاط أو تعليقه، ولكنّها تمنحُ المؤسسات التونسية، خصوصا المصدرة أو تلك المرتبطة بعقود مع مزودين أجانب، مرونة أكبر في التعامل بل وتحميها من الوقوع تحت طائلة "الشروط الجزائيّة" في صورة عدم احترامها للعقود المبرمة.

والأمرُ نفسه ينسحبُ على تعاقدات الدولة الخارجيّة مع كبار المانحين أو الدائنين، إذ سيمكّنُ الدولة على سبيل المثال من تأجيل سداد خدمات ديونها أو جدولتها، ناهيك الاستفادة من الألف مليار دولار التي خصّصها صندوق النقد الدولي لمساعدة الدول المتضررة من فيروس كورونا، أو حث إدارة الصندوق على صرف القسطين الأخيرين في إطار برنامج القرض الممدّد

بيد أنّ هذا الإجراء يظلّ قاصرًا ما لم تبادر الحكومة إلى تقديم مشروع قانون ماليّة تكميلي، يأخذ بالحسبان الأوضاع الاقتصادية المحليّة والخارجيّة، خصوصًا بعد تراجع برميل النفط إلى ما دون 25 دولارًا، وهو ما يمنحُ الدولة دفقًا ماليّا يمكنها من معالجة الأزمة الطارئة، وتجاوزها بأخف الأضرار الممكنة، مع المحافظة على الأمن الاجتماعي، عبر توفير خطوط تمويل للمؤسسات المتعثّرة وتحويلات مالية إضافية تصرف للفئات الاجتماعيّة الهشّة، ما يوفّر لهم أقصى درجات الأمان الاقتصادي.

بالمحصّلة، لا تنتظرُ هذه الإجراءات سوى إرادة سياسية شجاعة، تقطع مع الخوف والتردّد وخصوصا مع سياسة النهم الجبائي على حساب الشعب التونسي وقدرته الشرائيّة المتدهورة.

محاور
إقتصادية
الكلمات المفاتيح
قوة قاهرة اقتصاد تونس أزمة كورونا قانون المالية 
Share