fbpx "كش مات".. أو كيف استعاد سعيّد المبادرة بنقلتين فقط! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

"كش مات".. أو كيف استعاد سعيّد المبادرة بنقلتين فقط!

Share

 

"كش مات" هي أبلغُ عبارة عثرنا عليها لتوصيف آخر نقلات رئيس الجمهوريّة على رقعة الأزمة السياسيّة الدائرة، وأمام خصم عنيد هو حركة النهضة، أكبر أحزاب الائتلاف الحاكم بـ 56 نائبا وستة وزراء، خصوصً وهو يدفع برئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ إلى الاستقالة، مفوّتا على النهضة وحلفائها ورقة سحب الثقة من الحكومة، ومستعيدًا زمام المبادرة من جديد. 
والمهتمون بلعبة الشطرنج، يعرفون أن هناك استراتيجيات خاصة تقوم على عدد قليل من النقلات لإرباك الخصم، كاستراتيجية "خطة نابليون"، التي تقوم على هزيمة الخصم في أربع حركات، أو استراتيجية "كش مات المغفل"، وهي تقوم على هزم الخصم بحركتين فقط، وهي طريقة تنجح غالبًا إذا كان الخصم يلعب بطريقة سيّئة.  
والحقّ أنّ النهضة لعبت بطريقة سيئة معوّلة على دهاء "شيخها التكتاك" قبل أن تفاجئ بخصمٍ صعب المراس، سحبها إلى مرّبع لا أحد يبزّه فيه، أي مرّبع نصوص الدستور التونسي (أجل، هو الدستور نفسه الذي دافعت عنهُ النهضة، للمفارقة، حتى آخر رمق)، وبنقلتين فقط أنهى اللعبة لصالحه دون أن تستوعب النهضة وحليفيها ما حدث بالمرّة.

لعبة الأبيض والأسود

ولكي نفهم ما حدث في غضون الأيّام القليلة الماضية، حيث باتت اللعبة تدار بوجه مكشوف، لا بدّ من العودة إلى التفاصيل، طالما أنّ الشيطان يكمن فيها. ففي تحوّل دراميّ فاجأ الرأي العام التونسي، قامت حركة النهضة بإعلان موقفها النهائيّ من إلياس الفخفاخ الرّافض بشدّة لمطلب توسيع الائتلاف، وأعلنت تكليف راشد الغنوشي، بمهمة التفاوض على تشكيل حكومة جديدة، زاعمة أن رئيس الحركة تلقى الضوء الأخضر من رئيس الجمهوريّة. فما كان من هذا الأخير إلا القيام بنقلته الأولى على الرقعة، بعد أسابيع من الصمت، وأعلن أنّه لن يتفاوض مع أيّ طرفٍ خارج ما يتيحه الدستور، مقدّما في غضون ذلك، درسا قانونيّا للحركة المتعجّلة في قطف رأس رئيس الحكومة، تضمّن أربع فرضّيات رئيسيّة: 

  1. أوّلاً، استقالة الفخفاخ والعودة إلى الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور، وإعادة المبادرة بيد رئيس الجمهورية لاختيار الشخصية "الأقدر" التي ينطبق عليها مضمون باقي الفقرات من نفس الفصل في مستوى الآجال والإجراءات. 
  2. ثانيا، ذهاب الفخفاخ إلى البرلمان وطرح حكومته لنيل الثقة مرة ثانية ومن ثمّة يتم تفعيل مضمون الفصل 98 من الدستور.
  3. ثالثا، تقديم النهضة للائحة لوم وترشيح شخصية جديدة لتشكيل الحكومة وفق ما يقتضيه الفصل 97 من الدستور، وهو ما يعني إسقاط حكومة الفخفاخ.
  4. رابعا، إذا رفض رئيس الحكومة الاستقالة ورفضت حركة النهضة تقديم لائحة لوم، فسيكون بإمكان رئيس الجمهورية، إن أراد، الالتجاء إلى الفصل 99 من الدستور، الذي ينص على أنه "لرئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها..".

وبالمحصّلة، وضع رئيس الجمهوريّة حركة النهضة أمام هذه الفرضّيات منتظرًا ردّة فعلها، ومثلما كان متوقعا، اختارت حركة النهضة، مدعومة بحليفيها قلب تونس وائتلاف الكرامة، الفرضيّة الثالثة، وهي تقديم لائحة اللوم، وحشدت لها 105 أصوات. بيد أنّ ما قامت به النهضة شابهُ خلل جسيم، ذلك أن عريضة سحب الثقة كانت باطلة شكلاً لعدم تضمنها مرشّحا بديلاً عن رئيس الحكومة، حسب مقتضيات الفصل 97 من الدستور، فما كان من رئيس الجمهوريّة إلا القيام بنقلته الثانية، ودفع رئيس وزارئه إلى الاستقالة (وهذه ثالث مرّة يطالبه فيها بذلك)، ومن ثمّة استعاد زمام المبادرة دستوريّا، وأجهز على محاولة النهضة الأخيرة.

ما الذي سيحدث الآن؟

ودون الدخول في تفاصيل قانونيّة معقدة، سيكونُ أمام رئيس الجمهورية مهلة بأسبوع لاختيار رئيس حكومة جديد أو "الشخصيّة الأقدر"، المطالبة بالبدء في إجراءات تشكيل الحكومة في أجل لا يتجاوز الشهر. ومع ذلك لن يخرج الأمر عند عرض الحكومة على نيل الثقة عن أحد أمرين:
أولا، حصول الحكومة الجديدة على الثقة لتنطلق في مهامها.
ثانيا، عدم حصولها على الثقة وفي هذا الحالة يقوم رئيس الجمهورية بحلّ البرلمان والدعوة إلى انتخاباتٍ مبكرّة.
وإذا كان السيناريو الأوّل واضحًا ولا يستنفر أيّ أسئلة، باستثناء إمكانية إعادة تكليف الفخفاخ مرّة أخرى برئاسة الحكومة، وهي فرضّية مستحيلة تماما، بالنظر إلى موقف رئيس الجمهوريّة من رئيس حكومته، وبالتالي سيكون اختيار الرئيس هذه المرة محكومًا بعدة اعتبارات أخرى لاختلاف السياق هذه المرة عن الظروف التي أدت إلى اختيار الفخفاخ منذ البداية، فإنّ السيناريو الثاني هوما يثير جملة من الأسئلة بخصوص قدرة الأحزاب، وتحديدًا حركة النهضة، على المضي حتّى النهاية في لعبة الشدّ والجذب، حتّى ولو كان ثمن ذلك حلّ البرلمان. 
انتخابات مبكرة؟
وفي الواقع تبدو هذه الفرضيّة ممكنة، بيد أنها تصطدم بجملة من الاعتبارات، من ضمنها:
أوّلا، الانتخابات المبكرة مكلفة ماديّة خصوصا مع وضع مالي واقتصادي خانق، ناهيك أنّها ستفرز المشاكل نفسها على اعتبار أن النظام السياسي يتضمن في جوهره شروط الأزمة، ومن ثمّة قد يتكرر السيناريو نفسه مستقبلاً، مؤشرا إلى دخول تونس مرحلة "لبننة" العمل النيابي والحكومي.
ثانيا، لا أحد قادر على التكهنّ بطبيعة المشهد السياسي القادم في صورة إجراء انتخابات مبكرة، إذ قد يصعد الحزب الدستوري الحرّ كحزب أغلبي (وهو الذي تمنحهُ عمليات سبر الآراء أسبقيّة مريحة على أقرب منافسيه أي حركة النهضة)، ومن ثمّة يتولى دستوريا تقديم الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة، وهي وضعيّة لن يقبل بها خصومه السياسيين، ما يعيد المبادرة مجددا إلى رئيس الجمهورية.
ثالثا، فقدت الأحزاب الحاليّة جزءًا من رصيدها الانتخابيّ خصوصا مع حالة النفور التي باتت تميّز المزاج العام، ومن ثمّة قد تسجّل الانتخابات المبكرة، نسبة عزوف خطيرة، قد تعيد تجزئة المشهد من جديد، مما يفقدُ الأحزاب كلّها هامش المناورة.
رابعا، لا أحد يعرف يقينا ما يفكر فيه رئيس الجمهوريّة. ففي صورة المرور إلى انتخابات مبكرة قد يدفع بأنصارهِ إلى ترجيح كفّة حزب على آخر، أو التقدم بقائمات مستقّلة، تمنحه عمليّا أسبقيّة مريحة على كلّ الأحزاب ومن ثمة يعاد تشكيل المشهد على صورة أفكار الرئيس.
صحيحٌ أنّ هذه الاعتبارات لا تخرج عن دائرة التكهنات، ولكن ما هو ثابتٌ لدينا، على الأقل في هذه اللحظة، أنّ الأحزاب، بما فيها النهضة، قد تدفع بالمخاطرة السياسية إلى حدّها الأقصى، ولكنها لن تغامر بحلّ البرلمان، بل ستكتفي بالتفاوضِ على الحدّ الأدنى الذي يضمن التعايش المشترك، بما يضمن لها الفرصة لإعادة ترتيب البيت قبل موقعة عام 2024
 

محاور
تقديرموقف سياسية
الكلمات المفاتيح
الياس الفخفاخ الدستور قيس سعيد البرلمان الانتخابات
Share