fbpx لماذا لا يتحرك القضاء التونسي للبتّ في الجرائم الانتخابية؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

لماذا لا يتحرك القضاء التونسي للبتّ في الجرائم الانتخابية؟

Share


لم يمرّ استقبال رئيس الجمهوريّة، قيس سعيّد، للسيّد نجيب القطاري الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات، يوم أمس الخميس 4 فيفري 2021 بقصر قرطاج، دون أن يعيد إلى الأذهان تقرير المحكمة الشهير حول الانتخابات التشريعية والرئاسيّة الفارطة، وما شابها من توظيفٍ للمال السياسي الفاسد وشراء أصوات الناخبين. والحقّ أنّ تقارير المحكمة تعدُّ من أدقّ ما ينشرُ حول المؤسسات الوطنية من تقارير مالية وتقييمات وقراءات موضوعيّة، رغم قلّة الإمكانيات المادية والبشرية الموضوعة على ذمّة المحكمة، ومع ذلك، لا ينفكّ المواطن التونسي كما المتابع للشأن العامّ، عن طرح السؤال الحارق المتعلّق بالجزاء الذي يجب أن يترتب عن مثل هذه التقارير وخاصّة تقرير المحكمة بخصوص الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019.

لماذا لا ينفّذ القانون في هؤلاء؟

وهذا السؤال تحديدًا تباحث فيه رئيس الجمهوريّة مع الرئيس الأوّل لمحكمة المحاسبات التي تعدُّ أعلى هيئة قضائية رقابية في البلاد، لا سيّما أن تقريرها حول الانتخابات الأخيرة جاء صادمًا وموثّقا بالكشوفات والأرقام. وبالرغم من مضي أكثر من شهرين على كشف المحكمة النقاب عن هذا التقرير الذي أدان العديد من الأحزاب السياسية الوازنة على غرار حزب قلب تونس وحركة النهضة، وهي أحزاب تقود الحزام البرلماني والسياسي الداعم للحكومة برئاسة هشام المشيشي، غير أن الجهات القضائيّة لم تتحرّك قيد أنملة لتحقّق في ما نسب إلى هذه الأحزاب وغيرها من المستقلّين، ما عزّز شكوك التونسيين في وجود إرادة سياسية خارجيّة تسعى إلى إحباط كلّ مسعى في هذا الاتجاه. وقبل أسابيع تقريبا، طالب عدد من المنظمات والجمعيات والشخصيات الوطنية بتنفيذ توصيات هذا التقرير، وفتح بحث تحقيقي في مخرجات، وهو ما من شأنه، في صورة تنفيذه، أن يلغي تماما نتائج الانتخابات السّابقة، ويزجّ بعدد من الوجوه السياسية الفاعلة وراء القضبان.
ولعلّ أشرس تحدّ واجهه تونس في المواسم الانتخابية، هو ظاهرة المال السياسي الفاسد الذي يقعُ توظيفهُ لشراء الذمم والأصوات ومن ثمّة ترتيب المشهد السياسي كما يريدُ له مزاج اللوبيات ومجموعات الضغط الماليّة والاقتصادية، علاوة سعي الأطراف الخارجيّة، وبعضها إقليمي، إلى تثبيت أقدامها في الداخل التونسي بواسطة أحزابٍ بعينها تغدق عليها الأموال بطرقٍ أقلّ ما يقال عنها إنّها "غير شرعيّة".
ولقد كان من نتائج ذلك، هذا المشهدُ السياسيّ المشتّتُ الذي يعبقُ برائحة الفساد والترضيات والمصالح، وذلك على حسابِ المجموعةِ الوطنيّة، ما حدا ببعض المتابعين إلى توصيف المنظومة السياسية في تونس بحكم أوليغارشيا فاسدة وصلت إلى الحكم عبر شراء الذمم والأصوات. 
ومن هنا تتأتّى أهمية التساؤل حول عدم تنفيذ مخرجات تقرير محكمة المحاسبات، ففضلاً عن كشفه بالأدلة والوثائق، ظاهرتي المال السياسي الفاسد والاستعانة بمجموعات ضغط أجنبية للتأثير على الانتخابات التونسية، قام التقريرُ بإدانة أطراف بعينها باتت تتحكّم في اللعبة السياسية اليوم، بل وتعدُّ طرفًا هامّا في الصراع الدائر اليوم بين رأسي السلطة التنفيذية.  

جرائم انتخابيّة

ولكي نكون دقيقين أكثر، يجبُ التنويه ههنا بخطورة الانتهاكات التي رصدها تقرير محكمة المحاسبات، وهي انتهاكات ترقى إلى مستوى الجرائم الانتخابيّة، وهو ما من شأنه أن يفضي إلى إعادة الانتخابات برمّتها، أو إعادتها جزئيا، بعد الحكم بنزع صفة النائب عن العشرات من أعضاء مجلس النواب، فضلًا عن عقوبات أخرى يضبطها القانون وينطق بها القضاء.
ولقد أثبتت الأحداثُ والوقائعُ صوابيّة ما ذهب إليه التقرير، ذلك أنّ ما يحدثُ تحت قبّة البرلمان، يؤشّر فعلاً على تغلغل الفساد داخل الجسم التشريعيّ، حدّ تفصيل قوانين بعينها على مقاس بعض رؤساء الأحزاب (لا داعي للتذكير ههنا بلجنة الصلح الجبائي الشهيرة التي تضمنها مشروع قانون المالية للعام 2021 والتي قدّت على مقاس نبيل القروي، رئيس قلب تونس، قبل أن يقع إسقاط هذه النقطة من المشروع في ما بعد )، علاوةً على تمتع كوكبة من المهرّبين والمضاربين وأصحاب المصالح بالحصانة البرلمانيّة، مستغلّين ثغرات القانون الانتخابيّ.
ولو اكتفى القضاء التونسيّ بما ورد في تقرير محكمة المحاسبات، وتحرّك في اتجاه نزع الشرعيّة عمّن تعلّقت بهم جرائم انتخابية، لشاهدنا عشرات الرؤوس وهي تسقط تحت سيف القانون وحدهُ، ولكان المجلسُ قد تخلّص من "فاسديه" تماما، بيد أنّ ذلك لم يحدث، وهوما يعزّزُ القناعات، لا الشكوك فحسب، في وجود إرادة سياسية من خارج "المؤسسات الرسمية"، تسعى للحيلولة دون قيام القضاء بواجبه في إنفاذ القانون في المخالفين.  
وللتذكير فقط، كان تقرير محكمة المحاسبات، الذي جرى الإعلان عنه في شهر نوفمبر الماضي، قد اتهم أحزابا عديدة على غرار حركة النهضة التي تصدرت نتائج هذه الانتخابات وحزب قلب تونس الذي حل ثانيا، بإبرام عقود مع شركات أجنبية من أجل تلميع صورتها، علاوة على توظيف المال السياسي في رشوة الناخبين وشراء أصواتهم وذممهم، وتجاوز سقف التمويل الذي يحدده القانون الانتخابي، وغيرها من الاتهامات، التي تكشفُ بالدليل والحجّة والبرهان، حجم الخداع الذي تأسّست عليه المنظومة التشريعية الحاليّة.   
وإن كان صحيحا أن البت في مثل هذه الجرائم يستغرقُ وقتا طويلاً، علاوةً على ثغرات القانون الانتخابي نفسه الذي لا يضع شروطا صارمة أمام المترشحين، تعدُّ من أبرز العوائق أمام إنفاذ القانون في المخالفين، فإنّ ذلك لا ينفي وجود ضغوطات على الأجهزة القضائية نفسها، وتحديدًا على النيابة العمومية، لكيلا تتحرّك في اتجاه التحقيق في هذه الجرائم، ومعاقبة المخالفين. والمعلوم أنّ دور محكمة المحاسبات يقتصر على اتخاذ عقوبات مالية على كل من ثبتت مخالفته للقانون الانتخابي، بيد أنّ هذه العقوبات لا تُنهي المسار القضائي الذي يجبُ أن يستمر، لتطهير المناخ السياسي من روائحه العطنة

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
قيس سعيّد محكمة المحاسبات نجيب القطاري نبيل القروي الفساد جرائم انتخابية
Share