fbpx لماذا ترفض حركة النهضة التفويض لرئيس الحكومة؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

لماذا ترفض حركة النهضة التفويض لرئيس الحكومة؟

Share

 

أثار طلب إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة التونسية، بتمكينه من تفويض برلماني لإصدار مراسيم خاصة بمكافحة تفشي فيروس كورونا، جدلاً حادّا داخل الأوساط السياسيّة، وقسم الرأي العام المحلي، بين مطالبٍ بتفعيل الفصل 70 من الدستور التونسي، وتحديدًا فقرته الثانية، وبين مشكّك في نوايا رئيس السلطة التنفيذية، حد اتهامه بالسعي وراء التفويض لخدمة مصالح رجال الأعمال والمؤسسات.

وبين هذا وذاك، لم يعد خافيًا على المتابعين لكواليس اللعبة السياسية، تزعّم حركة النهضة، ورئيسها، راشد الغنوشي، لجبهة الرفض، وهي جبهة لم تعلن إلى حدّ الآن عن موقفها من التفويض، وإن فعّلت بالمقابل، قنواتها الخلفيّة لحشد أكثر ما يمكن من مواقف مناكفة لطلب رئيس الحكومة.

وبهذا الخصوص، علّق أحد المصادر الحكوميّة البارزة على ما نشرناه في "شكشوكة تايمز" مؤخّرًا، حول التفويض التشريعي، بالقول: "التفويضُ هو ما تحتاجهُ البلاد في هذا الظرف الحسّاس، ولكنّ النهضة ستفعل ما بوسعها لرفضه". و عندما سألناه عن الأسباب التي يمكنُ أن تقف وراء رفض حركة النهضة، أجاب ببساطة:" أعتقد أنّهم متخوّفون من التناغم الحاصل بين رأسي السلطة التنفيذية، ومن ثمّة يرفضون التخلّي عن آخر قلاعهم أي البرلمان". 

وفي الحقيقة، يبدو أنّ حرب تنازع الصلاحيات بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذية، لن تخمد نيرانها في القريب العاجل، رغم مناخ الأزمة المخيّم على البلاد، في ظلّ استئساد جائحة كورونا وتفاقمها رغم كمّ الإجراءات الوقائيّة المتخذة.

لماذا طالب الفخفاخ بالتفويض البرلماني؟

لا شكّ أن الإجابة على ها السؤال، تجدُ عناصرها في جملة القرارات الاستثنائية التي أعلن عنها رئيس الحكومة، في كلمته إلى الشعب التونسي، يوم السبت الماضي

وهذه القرارات تعدُّ في الواقع، قرارات أزمة وهو ما يقتضي المرور إلى اتخاذ إجراءات استثنائيّة لتطبيقها. بمعنى أدّق، يقتضي تنفيذُ رئيس الحكومة لتعهداته خاصة في المجالات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، المرور من نموذج حكم قائم على الفصل بين السلطات الثلاث (وهو المعمول به في الوضع الحالي) إلى نموذج حكمٍ قائم على تسيير الشأن العام في إدارة الأزمات أو حكومة أزمة باختصار.

وما مطالبة رئيس الحكومة بتفعيل الفقرة الثانية من الفصل 70 إلا إيذانا بانتقال منظومة الحكم إل وضعيّة إدارة الأزمة، ذلك أن المرحلة الحرجة التي تمرّ بها البلاد تقتضي مرونة أكبر في التعامل مع الوضعيات المستجدّة، وخصوصا تمكين رئيس الحكومة، من التدخل السريع، عبر اتخاذ جملة من المراسيم، لإنقاذ النسيج الاقتصادي، وخصوصاً إنقاذ المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والتدخل لفائدة الفئات الهشة العاجزة عن مجابهة انقطاعها عن سوق الشغل، وضمان خلاص الأجور، وتأمين مختلف التدخلات الاجتماعية في القطاعين العام والخاص، واتخاذ التدابير اللازمة لإلزام المواطنين باحترام حظر التجوال والحظر الصحيّ

ومن ثمّة، سيظلّ كلّ ما أعلن عنه رئيس الحكومة، مجرّد حبر على الورق، ما لم ينل التفويض التشريعي لتنفيذ تعهداته

علاوة على ذلك، هناك فرضية أخرى تعزّزُ طلب التفويض، وهي إمكانية تعطّل نشاط مجلس نواب الشعب، في صورة إقرار الحجر التام، وهو ما يمنع البرلمان آليّا من القيام بوظيفته التشريعية.

وإذ سبق لنا أن أشرنا في مقال سابق أن التفويض يظلّ مشروطًا بالزمن ومجالات التدخل، كما أنّه يخضعُ إلى مراقبة مجلس نواب الشعب نفسه، وهذا ما يحولُ دون إطلاق يد رئيس الحكومة، باعتبار أنّ التفويض ينتهي بانتهاء سببه، فإنّ ملاحظة أخرى تفرضُ نفسها، بخصوص وضعيّة الحرب المعلنة على فيروس كورونا كوفيد-19، وتتعلّقُ بتحديد قائد المعركة الحقيقي، والمسؤول الأول عن حماية أرواح التونسيين وممتلكاتهم وأمنهم الغذائي. ذلك أنّهُ من غير المقبول أن تتوزّع المعركة بين سلطٍ متنازعة، في ظرف يتسم بالخطورة، ومع إمكانيات شبه منعدمة، ومن ثمّة تحديدُ المسؤول الأوّل عن إدارة الأزمة، وهو رئيس الحكومة في هذه الحالة بنصّ الدستور، وهو ما يقتضي تطبيق إجراءات استثنائية، مستمدّة الدستور نفسه، أي التفويض التشريعي، كما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 70.

النهضة تناور وترفض !

ورغم أنّ حركة النهضة لم تردّ صراحة على طلب رئيس الحكومة، إلاّ أنّها مرّت مباشرة إلى سياسة المناورة الصريحة، مستغلّة ترؤسها لمجلس نواب الشعب. إذ تداولت خلية الأزمة البرلمانية المشكّلة من مكتب البرلمان ورؤساء الكتل، برئاسة رئيس البرلمان راشد الغنوشي، جملة من التدابير البديلة لتأمين استمرارية العمل التشريعي، على غرار العمل عن بعد، باستخدام التطبيقات الإعلامية، كما أعلن مكتب المجلس، في بيان لهُ، عن عقد جلسة عامة يوم غد الثلاثاء، 24 مارس، لإقرار تدابير استثنائية هادفة لضمان استمرارية العمل في الجلسة العامة".

وهذا التدابير الاستثنائية ما هي إلاّ رفضٌ صريحٌ لطلب رئيس الحكومة، يعكسُ تمسّك راشد الغنوشي، رئيس المجلس، ورئيس حركة النهضة، بآخر قلاعه، رغم أنّ المناخ العامّ يفترضُ توحّد الجميع تحت راية واحدة، وهي راية الحرب على جائحة كورونا

وهذه المناورات في الواقع أثارت استهجان السياسيين والمواطنين على حدّ سواء، فالتشبث بعقد جلسة عامة والاجتماع وسط تحذيرات الأطباء، من التجمهر والتجمعات، يعدُّ استهانة بالإجراءات الوقائية واستخفافًا بأرواح النّاس. كما أن البحث عن آليات عمل بديلة، يعدُّ في الواقع تسويفًا، لن يتسبب سوى في تعطيل أداء الحكومة، ومنعها من إصدار المراسيم الضروريّة، خصوصًا أنّ بحث مثل هذه الآليات البديلة يعدُّ إقرارًا من خليّة الأزمة بإمكانية تحقق فرضيّة عجز البرلمان عن العمل والانعقاد.

وما يثيرُ الاستغراب أكثر، هو دعوة مكتب البرلمان، في بلاغه، إلى إجراء محادثات مع رئيس الحكومة حول مستجدات الوضع الصحيّ، بينما يقتضي الظرف انصراف الجميع إلى العمل، بعيدًا عن دردشة نوابنا الميامين مع المسؤولين الحكومية، وهي دردشات تعوّدنا أنّها تستغرقُ ساعات طويلة دون أن تفضي إلى شيء.

في فرنسا مثلاً، طلب الوزير الأول الفرنسي إدوارد فيليب من المجلس التشريعي التفويض للحكومة، دون أن يثير ذلك حفيظة النواب الفرنسيين، لإيمانهم بخطورة الوضع وحساسية المرحلة، بينما في تونس طغت الحسابات السياسية الضيقة، والرغبة في التخندق وراء الهوس بالصلاحيّات، على حساب المصلحة العامة.

بل إنّ ما يثير الاستغراب حقّا، هو تفعيل القنوات الخلفيّة لتمرير رسائل تضربُ في العمق الوحدة الوطنية، كاتهام رئيس الحكومة مثلاً، بالسعي إلى خدمة أجندة أصحاب المال، أو خدمة أجندة رئيس الجمهورية، والقيام بانقلاب دستوريّ، وغيرها من الاتهامات التي وجدت طريقها إلى وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال صفحات لا تخفى انتماءاتها

التفويض هو الحلّ !

وما هو ثابتٌ لدينا، أنّ إقرار الحجر الصحيّ التام بات مسألة وقت فقط، خصوصا مع تواصل استهتار المواطنين واستخفافهم بإجراءات العزل الصحي، ما يعني سقوط السلطة التشريعية في وضعيّة "العجز التام"، وهو ما يقتضي التفويض بداهةً.

كما أنّ تفعيل قرارات رئيس الحكومة الأخيرة، يستدعي إيجاد أسرع الآليات لضمان استمرار الحياة وتوفير التموين اللازم للمواطنين وتعويض المتضررين، وهو ما يقتضي التفويض بداهةً.

و بالمحصلة، ليس أمام السياسيين والبرلمانيين تحديدًا سوى أن يتعالوا عن حساباتهم الضيقة، وصراعاتهم، و يركنوا جانبا خلافاتهم حول الصلاحيات، خصوصا في هذا الوضع المأزوم، والتفكير بعقل رجل واحد لتجاوز الوضعيّة المخيفة التي تمرّ بها البلاد.

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
التفويض التشريعي العام النهضة الياس الفخفاخ مجلس نواب الشعب تونس كورونا
Share