fbpx لماذا صار التبرّع أمرًا مستهجنا عند التونسيين؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

لماذا صار التبرّع أمرًا مستهجنا عند التونسيين؟

Share

 

نشر أحد مواقع الكتروني تونسي هزلي يعتمد أساسًا اختلاق الأخبار، أنّ رئيس الحكومة المكلّف إلياس الفخفاخ، ينوي التوجه إلى الشعب بطلب التبرّع بأسبوع عمل لفائدة خزينة الدولة. سرى الخبر في صفحات التواصل الاجتماعي سريان النار في الهشيم، لتتعالى الأصوات المندّدة، بل الرافضة والمستهجنة. بعضها اتّهم رئيس الحكومة المكلّف بأنّه يرغب في «امتصاص دماء» التونسيين.

ما يدفع إلى التساؤل ووجوب وضع المسألة موضع القراءة الرصينة والمقاربة ، أنّ إلياس الفخفاخ تولّى نفي ما جادت به قريحة صحفي يعمل في موقف يعلم العارفون أنّه يعتمد الهزل.

السؤال مطروح عن «قدرة وسائل الإعلام» على هزّ الرأي العام، وثانيا السؤال عمّا يجعل عمقًا شعبيا وكذلك صحفيا ومن ورائه جزءا من الطبقة السياسيّة تصدّق هذه «الكذبة المفضوحة» حين يقدّم الموقع ذاته ويصرّ أنّه يعتمد «السخرية» القائمة على تحريف الحقائق واختلاقها أحيانًا أخرى ؟

يتبيّن من هذا المشهد وكمّ التنديد لما ينوى رئيس الحكومة الإقدام عليه (وفق ما جاء في الموقع)، ليس انعدام ثقة العمق الشعبي في من يمسكون السلطة، بل أخطر من ذلك، اعتبار مجرّد التفكير في أمر التبرّع «جريمة» بالمفهوم السياسي و«منكرًا» بالمفهوم الأخلاقي...

علماء الاقتصاد يجمعون على استحالة التفكير في خروج البلاد التونسيّة من أزمتها الاقتصاديّة دون «تضحيات مؤلمة»، ومن ثمّة يكون «التنازل» وفي إحدى أوجهه «التبرّع بالأجر» أو في صورة أخرى «العمل مجانًا» أحد الأبواب الواجب طرقها، من جملة حلول أخرى، جميعها تعتمد التضحية وبالأخصّ «شدّ الحزام».

ما الذي يجعل هذا العمق الشعبي غير الحامل لأيديولوجية بمعنى الوعي بالواقع من خلال قراءة سياسيّة، يحسّ بهذا «القرف» عند سماع لفظ «تبرّع»؟ أين العيب وأين العقدة التي جعلت «قلّة الثقة» تسود، على الأقلّ من جانب العمق الشعبي؟

للتذكير، أثناء الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر و14 جانفي، خاطبت أمّ شهيد من منزل بوزيان، زين العابدين بن علي في لهجة كلّها إصرار ومشبعّة بالتحدي : «قتلت واحدا من أبنائي، لا يزال عند ثلاثة أخرين يسيرون على دربه»، ممّا يعني أنّ ليس فقط منسوب الثقة في «الثورة» كان مرتفعًا، بل كذلك الإصرار على دفع الثمن إذا استوجب الأمر، والتضحية بالروح من أجل الوطن. هذه المرأة لم تكن (حينها) حالة شاذّة أو مثالا نادرًا، بل هي تمثّل عمقًا شعبيا حسم أمره وأصرّ على الذهاب نحو الأقصى من أجل إسقاط السلطة القائمة.

سؤال منطقي يطرح ذاته بصفة منطقيّة : من الذي تغيّر حتّى ينقلب هذا العمق الشعبي من الاستعداد للتضحية بالروح، إلى استهجان التبرّع بجزء من الأجر، بل وذهاب البعض حدّ تخوين الجهة التي تطالب بذلك، على اعتبار أنّ عمليّة التبرّع بالأجر هي (وفق أصحاب الرأي ذاته) عمليّة «تحيّل مفضوحة»؟ 

كذلك، ما الذي يدفع رئيس الحكومة شخصيا إلى النزول إلى درك الإشاعات وتفنيدها، لولا إدراكه، وإدراك الطاقم الإعلامي الذي يعمل معه، أنّ التربة خصبة لتصديق مثل هذه «النكت» التي تتحوّل في سرعة إلى «سوداويّة» مرّة مثل العلقم.

على إلياس الفخفاخ، الذي من المنتظر أن يجلس قريبًا على كرس الحكم في القصبة أن يستجمع ما استطاع من علماء وخبراء ويطرح عليهم السؤال التالي : ما الذي يجعل الحكومات المتعاقبة منذ 14 جانفي في حالة عجز تامّ عن تحصيل ثقة المواطن وإن كان في الحدّ الأدنى الضروري والضامن لنجاح برامج التقشّف التي من الضروري الإقدام عليها، آجلا كان الأمر أو عاجلا ؟

عند الحصول على الأجوبة، يستطيع إلياس الفخفاخ التفكير في برامج إنقاذ للاقتصاد.

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
Share