fbpx لهذه الأسباب تصرّ النهضة على التحالف مع قلب تونس! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

لهذه الأسباب تصرّ النهضة على التحالف مع قلب تونس!

Share


شكل غياب حزب قلب تونس عن الأزمة السياسية الحاليّة أحد مفارقاتها الكبرى، رغم أنّه يعد أحد عناوينها الكبرى. فلولا إصرار النهضة "المحموم" على تشريكه في الحكم منذ البداية وتوسيع قاعدة الائتلاف الحاكم السابّق، لما كان للأزمة الحاليّة أن تأخذ هذا المنحى الدراميّ. 
ومع ذلك، يثبت قلب تونس في كلّ مرّة عبر خطاب الشحن الإعلامي الذي تبثّه قناة نسمة والتي فتحت أبوابها بالمناسبة أمام قيادات حركة النهضة  وائتلاف الكرامة والشخصيات "المستقلّة"(وهو ما أحال قناة الزيتونة على البطالة الفنيّة المؤقتة) لخدمة مشروع حركة النهضة ضمن أطر "الموضوعيّة" الإعلاميّة دون أن يتورّط رئيسها أو قياداتها في إبداء موقف معلن رغم تصريحاتهم السّابقة بأنّهم غير معنيين بالمشاركةِ في الحكم.
 إذن نحن أمام موقف متناقض في الواقع، فمن جهة لم يبد الحزب موقفا رسميّا ممّا يحدث في البلاد، باستثناء كليشيهات العادة حول الفقر والأزمة الاقتصادية وإعادة هيكلة المالية العمومية واتهام رئيس الحكومة بالفساد وتندّر عياض اللومي على زميلة سابقة له، رأى أنّها كانت أجمل بالحجاب! ومن جهة أخرى، يبدو الحزب وكأنّه "مفتاح" اللغز أو "دينامو" الأزمة الحقيقيّة، من خلال تشبث حركة النهضة وائتلاف الكرامة به، وفتحه منبر قناته، قناة "نسمة"، لخطابات التجييش والشحن، خصوصا في ما يتعلّق بعبير موسي، الأمينة العامة للدستوري الحرّ، وحزبي التيار والشعب، علاوة على رئيس الجمهورية قيس سعيّد، منافس نبيل القروي في الدور الثاني من الرئاسيات الفارطة. فما الذي يبرّر إذن إصرار النهضة على التحالف معه هو تحديدًا دونا عن غيره؟
علاقة إشكاليّة
ولو عدنا إلى بدايات تشكيل المشهد السياسيّ الحاليّ، لوقفنا كذلك على مجموعة من التناقضات المحيّرة، تتسربل بثوب وحيد هو ثوبُ "المساومة".  فقلب تونس، هذا الحزب الثاني "نظريا" في المعادلة النيابية، لم يقف إلى جانب النهضة إلا في محطّة يتيمة، هي انتخاب رئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، بالمقابل، ساهم هذا الحزب في "طعن" النهضة أكثر من مرّة كإسقاط حكومة الجملي والإمضاء على لائحة عبير موسي بخصوص تجريم التدخل الخارجي، علاوة على تصعيد الخطاب ضدّها أكثر من مرّة، واستفراده بملفّ المالية العمومية داخل المجلس. ومع ذلك، وقف الحزب بقوة إلى جانب النهضة عندما حانت مساءلة إلياس الفخفاخ، وقال نوابه لرئيس الحكومة ما لم يقله مالك في الخمر، عندما ذهب إلى المجلس ليقدّم حصيلة المائة يوم الأولى في عمل حكومته. بل وساعدها إعلاميّا على نحو خاصّ في شيطنة إلياس الفخفاخ ومحاولة إسقاطه، قبل أن يتموقع في تلك "المنطقة" الرمادية، ويعلن حياده التام عن الأزمة الدائرة، وكأنه لم يكن أحد فصولها البائسة.
ومن ثمة، تبدو لنا هذه العلاقة "الإشكالية" غريبة بعض الشيء، لا سيّما أن الحزبين كالا لبعضيهما الاتهامات قبل الموقعة الانتخابية، حتى اختزل الفساد في قلب تونس، و"التغوّل" في حركة النهضة، قبل أن يفيآ إلى رشدهما بغتة، وتختلق النهضةُ حربا ضروسا من أجل عيون قلب تونس. فكيف نفهم إذن سرّ هذه العلاقة العاطفيّة المحمومة؟
كلمة السرّ
وللإجابة عن هذا السؤال، يكفي فقط أن ننظر إلى الصورة كما هي أي في أبعادها الكبرى. أوّلا، ثمّة علاقة تاريخيّة تربط نبيل القروي، مؤسس قلب تونس، براشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، علاقة شهدت موجات  مدّ وجزر قبل أن تستقرّ في العام 2014، وترتفع إلى مرتبة الموالاة التامة خلال أزمة حكومة الحبيب الصيد، قبل أن تتوتّر ثانية، بعد استقرار رأي الممضين على وثيقة قرطاج على استبعاد نبيل القروي، صاحب الطموح السياسي، من الترشيح لخلافة الحبيب الصيد (وهذه حقيقة)،ومن ثمّة أخذ القروي زمام الأمور بيده، وطفق يعد العدة لمشروعه السياسي، لمدة ثلاث سنوات ونصف، دون أن "يصحّح" وضع علاقته مع راشد الغنوشي.
ما حدث في ما بعد، أن القروي وحزبه تحوّلا نظريا إلى قوّة سياسية وازنة في المشهد النيابي الجديد، قبل أن يبدأ الحزب في التآكل من الدّاخل، ويفقد جزءا من كتلته، مقابل بروز كابوس جديد هو حزب عبير موسي، الحزب الدستوري الحرّ. وهذا ما يكشف لغز التحالف في واقع الأمر، بعيدًا عن نظريّات المؤامرة أو مشاورات الغرف المظلمة.
فقلب تونس يشكّل، باختلاف الهوامش والتيارات الفكرية داخله، عنوان استقرار لا مغامرة بالنسبة لحركة النهضة، بيد أن نتائج استطلاعات الرأي، وههنا نقصد تلك الاستطلاعات التي تطلبها الأحزاب لا تلك التي ينشرها حسن الزرقوني، كشفت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ المشهد السياسي برمّته أخذ على عاتقه مهمة تعديل نفسه بنفسه، بعيدًا عن الأحزاب، وأنتج معادلة جديدة عنوانها اكتساح حزب عبير موسي للمشهد، وبروز حزب افتراضي هو "حزب" قيس سعيّد، مقابل تراجع واضح لحركة النهضة، وانهيار وشيك لقلب تونس. وما صعود الدستوري الحرّ إلا ترجمة لعمليّة قضم قام بها هذا الحزب لخزانات الأحزاب المحسوبة على الدساترة والتجمّع أو ما تبقى من نداء تونس، قضمٌ يهدّدُ بابتلاعها تماما (الأمر نفسه ينسحبُ على أحزابٍ كتحيا تونس والبديل ومشروع تونس وغيرها)، وفي وضعيّة كابوسيّة كهذه، كان الحلّ الوحيد المتاح أمام حركة النهضة هو تقوية هذا الحزب ورفعه إلى مرتبة الحليف الاستراتيجي، عبر محاولات دفعه إلى الحكومة، أو فرض إشراكه في الحكومة الجديدة.
هذه هي إذن الزاوية التي ترى بها حركة النهضة الأمور، حالها في ذلك، حال نداء تونس الذي بات يشاركها العزلة نفسها داخل مجلس النواب، رغم انتمائه ظاهريّا إلى مجموعة الأحزاب الحداثيّة المشكلّة في جرن البورقيبية الجديدة، وربّما ستكون هذه العلاقة عنوان فصل جديد من فصول أزمة سيظلّ الحزب الدستوريّ الحرّ  هدفها الثابت، والمطلوب رقم واحدٍ فيها.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
راشد الغنوشي نبيل القروي قلب تونس حركة النهضة الحزب الدستوري الحرّ
Share