fbpx ما بات يعرفه المشيشي: انتهت حلول الخبراء، والأمرُ متروك لـ.. الاستقالة! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

ما بات يعرفه المشيشي: انتهت حلول الخبراء، والأمرُ متروك لـ.. الاستقالة!

Share


في محاولة منه لإنهاء الأزمة السياسية التي تعيشها تونس، دعا نور الدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الجمعة، وزراء الصحّة والطاقة والتشغيل والرّياضة الذين عيّنهم رئيس الحكومة هشام المشيشي في تعديله الوزاري الأخير، ورفضهم رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بسبب شبهات تضارب مصالح، إلى الانسحاب من الحكومة "لمصلحة الوطن". ومع ذلك، يتوقّعُ أن ينطبق القولُ المأثورُ "لقد ناديت لو أسمعت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي"، على دعوة أمين عامّ المركزيّة النقابيّة في ظلّ إصرار الحزام السياسي لهشام المشيشي على فرض الأمر الواقع وفرض التحوير كما هو رغم أنف رئيس الجمهوريّة.
على أنّ ما يثيرُ الاستغراب في كلّ هذا هو صمتُ هشام المشيشي نفسه، صمتٌ قد نعزوه إلى طبيعة الرّجل المتردّدة وخوفه المرضيّ من ارتكابه هفوةً جديدة قد تعجّلُ برحيله هو هذه المرّة لا سيّما ورئيس الجمهوريّة يسقطُ آخر أوراقهُ في الطمي والدّموع، إذ صرّح قائلاً إنّ التفكير في اللجوء إلى نظرية الإجراءات المستحيل لإقرار الوزراء الجدد دون أداء اليمين إنما "هو من قبيل لغو الكلام لأن هذا الفقه القضائي لا يعني إلا القانون الإداري ولا يمكن أن ينطبق بحال من الأحوال على القانون الدستوري". 
ولكي نفهم الصورة بوضوح أكثر، سيتعيّنُ علينا أن نعودَ إلى كلمة رئيس الجمهوريّة، خلال لقائه بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، كلمة وضّح فيها سعيّد أنّ الخلاف- إن كان ثمّة خلاف- لا يتعلّقُ بمسألة أداء اليمين من عدمها وإنّما بالتحوير نفسه، مشدّدًا على وجود "خروقاتٍ حصلت بناء على نصوص هي دون الدستور مرتبة"، ما يفهم منهُ أنّ قيس سعيّد يرفضُ التحوير برمّته لا مسألة أداء اليمين أمامهُ.

الرّئيس في موقع الأقوى

ولئن انتظر التونسيون يبادر رئيس الحكومة إلى تنفيذ خطّة حزامه السياسي الذي وظّف كلّ خبرائه القانونيين لحشر سعيّد في الزاوية، ويفرض الأمر الواقع على الجميع دون المرور ببروتوكول أداء اليمين باعتباره "إجراء شكليّا"، إلا انّه اصطدم بمجموعةٍ من الحقائق البديهيّة التي يصعب أن يجهلها مبتدئ في دراسة القانون. ذلك أنّ المشيشي ارتكب منذ البداية جملةً من الهفوات الإجرائية والشكليّة التي مكّنت قيس سعيّد من رقبته تمامًا. ففي حين كان بوسعه أن يمضي في مسار التعديل الحكومي دون المرور بمجلس نواب الشعب، وهوما يكفله له الدستور، اختار الرّجل أن يلاعب الرّئيس في ملعب هذا الأخير، سواءً من خلال تغيير تركيبة الحكومة، وهوما يقتضي وجوبا استشارة رئيس الجمهوريّة، أو المرور عبر المجلس لنيل الثقة، وهوما يضعهُ تحت طائلة وجوبية أداء القسم أمام الرّئيس. وفي الحالتين فشل المشيشي في قراءة ارتدادات اللعبة السياسية والقانونية التي أقبل عليها مطمئنا إلى مشورة حزامه السياسي أو خاضعا لابتزازه (وهذا الأقرب إلى المنطق)، وعيّن أربعة وزراء من جملة 11 الذين شملهم التحوير، تتعلّق بهم شبهات فساد وتضارب مصالح، ليزداد الطوق حول رقبته ضيقًا. ولو أضفنا إلى كلّ ذلك أنّ أداء القسم أمام رئيس الجمهورية يعدُّ شرطا من شرط المباشرة، مثله في ذلك مثل التصريح بالمكاسب والمصالح، فإنّ رفض الرئيس لأداء القسم سيترتّبُ عنه إصدار أمر رئاسي في الرائد الرسمي بتسميتهم، وحتى لو حاول هؤلاء الأربعة، إيداع التصاريح بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فإنّها لن تقبل منهم طالما أن قرار تسميتهم لم يصدر في الرائد الرّسمي. بعبارة أوضح، وجد رئيس الحكومة نفسه في دائرة قانونية مغلقة يصعبُ النفاذ منها وهو ما يفسّر إحجامه عن المرور بقوّة وفرض سياسة الأمر الواقع. 

معركة قانونية شرسة

ولقد ازداد الطوق ثقلاً وضيقا حول رقبة رئيس الحكومة بسبب "هفواته" و"ارتهانه المطلق" لنصائح حزامه السياسي وخبرائه الدستوريين. فالتعويل على صلاحيّات رئيس الجمهوريّة المقيّدة بنصّ الدستور، واللجوء إلى نظرية الإجراءات المستحيلة، يعدُّ من قبيل العبث الصّرف، ذلك أنّ الكلمة الأخيرة تعودُ إلى رئيس الجمهوريّة، في ظلّ غياب المحكمة الدستورية، ما يعني أنّ لرئيس الجمهورية الكلمة الفصل في أيّ نزاع بين السلطات. والحالةُ تلك، سيتعيّن علينا أن نذكّر بأنّ المسألة بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، لا تتعلّق البتة بأداء القسم من عدمه، وإنّما بالتحوير نفسه الذي شابته- حسب تأويله- خروقات دستوريّة جسيمة تبطلهُ من الأساس. وفي وضعيّة كهذه، ومع كلّ ما سبق أن قدّمناه، نتبّينُ بكل يسر أنّ البحث عن مخارج قانونية للأزمة الحالية هو بمثابة القبض على الماء. وهو ما يفسّرُ تعدّد الوساطات بين رأسي السلطة التنفيذية لإيجاد حلّ سياسيّ. وحتّى في هذه، رفض رئيس الجمهورية كلّ وساطة تتعارضُ مع القانون ودستور البلاد، وهو محقّ في ذلك، مبديًا إصراره على رفض التحوير برمّته، تحويرٌ رأى فيه تطبيعا واضحًا مع الفساد ومحاولة لاختراق أجهزة الدولة. 
وللأمانة، هذا ما يفسّر دعوة الطبوبي للوزراء الأربعة الذين تحيطُ بهم شبهات الفساد إلى الانسحاب من أجل مصلحة الوطن، كما صرّح بذلك على موجات إذاعة اكسبريس أف أم، لكن ما يبدو لنا واضحا أنّ انسحاب هؤلاء الآن سيفاقم من أزمة رئيس الحكومة، إذ سينسفُ انسحابهم أو التخلّي عنهم ما تبقّى لهُ من شرعيّة، هي متآكلة من الأساس.

لا حلول أمام المشيشي

لقد وجد المشيشي نفسه في وضعيّة غريبة للغاية، هي وضعيّة اللا حلول، فلو طبّق نظرية الإجراءات المستحيلة، سيجدُ نفسه في ورطة حقيقية، ذلك أنّ تعيين وزراء تعلّقت بهم شبهة سيفتحُ باب الطعون أمام كلّ قرار يتخذونه، علاوة على أن الإجراء نفسه غير دستوريّ، وفي صورة أعفى وزراءه، سيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع حزامه السياسي (ولقد حدث بالفعل أن لوّح قيادات قلب تونس بسحب الثقة منه إن هو تراجع عن التحوير). فما الذي تبقّى أمامه باستثناء إيجاد حلّ وسط مع رئيس الجمهوريّة؟ وحتّى في هذه، تبدو الطريق مسدودة أمامهُ بسبب رفض الرئيس المبدئي والقانوني للتحوير الوزاريّ. في الواقع لم يتبقّ أمام هشام المشيشي سوى التقدّم باستقالته حفظا لماء وجهه، بعد أن فقدت حكومته شرعيّتها. غير أن استقالته بدوره قد تعيدنا إلى مربّع الانتخابات السّابقة لأوانها. وفي هذه الحالة سيعيدُ المشهد السياسي تكرار نفسهُ ربّما مع تغيير طفيفٍ في هوية الحزب الأوّل. ولكن مع قانون انتخابي كهذا، سيكونُ من المستحيل أن يحظى حزبٌ واحد بالأغلبية المريحة التي تمنحه فرصة تشكيل حكومةٍ بمفرده، ما يعني مرورنا الوجوبيّ بالتحالفات "المشوّهة" في أحسن الأحوال أو أزمة حكم جديدة، قد تعود فيها المبادرة إلى رئيس الجمهوريّة مجدّدًا. وفي غضون ذلك سيكونُ على حكومة المشيشي أن تتحوّل إلى حكومة تصريف أعمالٍ في ظرفٍ يمورُ بالتحدّيات الجسام.
هذه هي الوضعيّة العامّة في تونس، وضعيّة تبدو وكأنّها نسخة طبق الاصلٍ من مسرحيّة عبثيّة، بلا حبكة أو نهاية. ولقد سبق لنا مرارا وتكرارا أن نبّهنا على أعمدة "شكشوكة تايمز" إلى ضرورة تقديم الأهمّ على المهمّ، والانخراط الواعي والمسؤول في حوارٍ وطني لا يستثني إحداثيات الأزمة في تونس، والخروج بتقييم شاملٍ لمرحلة العشر سنوات الأخيرة، تقييم يكون الأرضية الرئيسية لخارطة طريق بنقاط محددة وأولويات واضحة ولكن..
"لقد ناديت لو اسمعت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي" !

 

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
الدستور الدستور هشام المشيشي قيس سعيّد الحزام السياسي اليمين الدستورية إجراءات مستحيلة الاستقالة
Share