fbpx ما نعيشهُ اليوم يعدّ أقلّ سوءًا مما سنعيشهُ غدًا! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

ما نعيشهُ اليوم يعدّ أقلّ سوءًا مما سنعيشهُ غدًا!

Share

 

في رواية "العمى"، يتحدّث الروائي البرتغالي صاحب جائزة نوبل، جوزيهِ ساراماغو، عن مجتمعٍ تصيبُ أفراده حالة من العمى المؤقت، حالة لا يسلم منها السياسي والموظف والطبيب والشرطيّ واللصّ والعاهرة وسائق سيارة الأجرة والجنديّ وغيرهم. ومن داخل ذلك المجتمع، يقدّم لنا المؤلف خلاصته الرهيبة، ومفادها أنّ العادات لا تنسى بسهولةٍ رغم سطوة النازلة، كأن يقومَ عميانٌ مسلحونَ بالسطوِ على مؤونة العميانِ العزّلِ، ويحلّ الظلمُ والجبروت والكذب محلّ التضامن، وتتحوّل الكارثة في حد ذاتها إلى حاضنة لكلّ الرغبات المجنونة. 
وهذا ما يحدثُ تقريبًا داخل مجتمعنا المبتلى بمشهده السياسي. فمجتمعنا التونسيُّ، الذي خرج من جمهوريّة أولى حاملاً شعارات بسيطة، ولكنها محدّدة كالشغل والكرامة والحرّية، ليدخل الجمهوريّة الثانية كما تدخلُ مجموعة من العميانِ إلى قاعة سينما، لتتابع "الشريط" الذي يعرضَ أمامها عاجزة تماما عن تمييز أيّ شيء باستثناء أصوات الممثلين التي تخلعُ عليها كلّ التمثلات والتهيؤات والتصوّرات الممكنة دون أن يكونَ للحقيقة موطأ قدمٍ في كلّ هذا.
والحقيقة أننّا لسنَا عميانًا بالمعنى "الواقعي" ولا حتى "المجازّي" للكلمة، ولكننا نرفضُ أن نرى الأمورَ كما هي في الحقيقة، منصرفينَ إلى مشاهدة الشريط الدائرِ أمامنا ولكننا في الواقع نشاهدُ تهيؤاتنا حولهُ فقط مما يأتينا من أصوات السياسيين الناشزة.
ذلك أننا لم نر كيف وئدت الشعارات البسيطة التي رفعناها في وجهِ النظام "المخلوع" تحت تلال الوعودِ السياسية الكاذبة، أو كيف ركن الدستور نفسهُ- وهو الدستور الأغلى من جهة تكلفته المادية الباهظة مرورًا بدماء الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي- ركنَ في أحد الرفوفِ تاركا مكانهُ لكلّ الممارسات اللادستورية، أو كيف عادت الزبونية السياسية من "الباب" بعد أن طردناها من "النافذة"، أو كيف صار همّ الجميع هو تحصيل أكثر ما يمكن من مكاسب ومنافع حتّى ولو أريقت الدماء، أو كيف باتت الأكاذيب والمغالطات ممارسة حكومية أو كيف تحوّلنا كشعبٍ، إلى توليفة من أرقام بطاقات التعريف الوطنية في السجلّ الانتخابي يقعُ الاستنجادُ بها لتأبيد حالة العمى في كلّ محطة انتخابية.
أجل، نحنُ لا نرى ذلك، بل ونرفضُ أن نرى ذلك. وعلى الرغم من شعارات "الوحدة الوطنية" و"الشعب الذي أنجز ثورة غير مسبوقة" و"التجربة الديمقراطية المدهشة"، مازلنا نقيسُ الأمور بحسبَ ما يلائمُ بؤبؤ العين، منخرطين في لعبة الأصوات الناشزة، بعضنا متحمّسٌ للحزب الفلاني والآخر للحزب العلانيّ والغالبية العظمى "للخبزة المرّة" التي نطاردها أملاً في اللحاقِ بها.
والأغربُ أننا نرفض أن نغادر دائرة "التهيؤات" إيّاها، تلك التي نبنيها على السّماعِ، نصرُّ على أنّ "الغد سيكونَ أفضل" دونَ أن نعرفَ حقيقةً أننا وضعنا أقدامنا بالفعلِ داخل ذلك "الغد". وبالمثل نرفضُ أن نرى ما تبسطهُ كلّ المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية زائد معارك السياسيين وعجزهم الواضح عن تحقيق أيّ تغيير في واقع البلاد أمام أعيننا، وهي علامات تقول لنا بوضوحٍ ساخرٍ إنّ ما نعيشهُ اليوم هو أقلّ سوءًا مما سنعيشهُ غدًا.
ألم أقل في البداية إنّ هناك عادات لا يمكن أن تنسى بسهولة حتّى مع إصابتنا كشعبٍ بحالة "عمى مؤقتة"، كما في رواية "ساراماغو"، كعادتنا مثلاً، أقولُ مثلاً، في تسليم زمام إدارة الشأن العام إلى من لا يستحقّ لك، لنضجّ بالصراخ بعدها مستجدين الفرج!
 

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
نوبل الثورة واقع استقطاب تجربة ديموقراطية تونس
Share