fbpx محمد الحامدي: العسل المغشوش للنحل الملهوف.. | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

محمد الحامدي: العسل المغشوش للنحل الملهوف..

Share

 

أصدرت وزارة التربية نهاية الأسبوع الماضي، بيانا أولا ممضى من قبل الوزير محمد الحامدي، وجّه إلى المسؤولين في الوزارة، يأمرهم بضرورة الرجوع إلى «المركز» قبل الإدلاء بأيّ حديث أو تصريح أو مشاركة في أيّ برنامج إذاعي وتلفزيوني، يُقرأُ على درجتين :

أوّلا، الشكل : البيان جاء يطلب من «الأطراف» التقيّد بسلطة «المركز»، في زمن لم تعد فيه نظريّة «المركز/الأطراف» قابلة للتطبيق، لا على مستوى الوزارات، أو الأحزاب أو حتى العائلة الواحدة، علمًا، أنّ الذي دفع الوزارة والوزير إلى إصدار هذا البيان، يتمثّل في تعدّد ظهور عديد المنتسبين إلى الوزارة، على وسائل الإعلام وأصلا على وسائل التواصل الاجتماعي، يدلون بدلوهم في مسائل تخصّ الوزارة وسياستها، دون التمييز بين «واجب التحفظ» (كما هو رأي الدولة دائمًا) من جهة مقابل «حريّة التعبير» أو هي بالأحرى «حريّة الظهور» على وسائل الإعلام أو الإدلاء بتصريحات لها.

ثانيا، المضمون : في زمن تحوّلت فيه مقولة ديكارت «أنا أفكّر إذًا أنا موجود»، إلى قاعدة «أنا أظهر في وسائل الإعلام، إذًا أنا موجود» لم يعد الظهور في وسائل الإعلام خاصّة المرئي منه، مجرّد عبور تلقائي ودون تأثير عميق، بل هو تأسيس للصورة بمعنى الوجود. الوجود في بعده الغريزي، أي نقيض العدم. لذلك نفهم الهوس «المرضي» (أحيانًا) لدى عدد متزايد من الناس، أغلبهم من العامّة، يؤكدون هذا «الوجود»، من خلال نشر كتاباتهم وفيديوهاتهم، حين صارت الصورة وما هو انتشارها أبقى من الحقيقة على الأرض.

وجب التذكير بدءا، أنّ مجرّد الشعور بالحاجة إلى نشر بلاغ ثان، يشرح الأوّل، و(كما يُقال) «يضع الأمور في نصابها» أو «يرفع اللُبس»، يمثّل اعترافا خطيّا معلنًا وصريحًا بقصور الأوّل عن أداء الدور المطلوب، لأنّ من أبجديات العمل الاتصالي، أن يكون كل فعل مكتف بذاته وإن كان لزامًا الانخراط في ذات المنظومة.

من ذلك يأتي هذا البيان الأوّل نقيض عصره وعبارة عن طعنة بسيف في الماء، لأنّ لا أحد في هذه البلاد (كما البلدان الأخرى) مستعدّ للتنازل قيد أنملة عن «حضوره الإعلامي» أو بالأحرى «وجوده على وسائل الاتصال والاعلام»، مهما كانت أوامر السيّد الوزير ومهما جاء التهديد مبطّنا أو معلنًا، ومهما كانت القوانين صارمة...

في زمن صار الإعلام، الرحى الأساسي لصناعة «الوجود»، أجابت بعض الأصوات عن بيان الوزير، بأنّه (أي الوزير محمد الحامدي) يريد الاستئثار بالظهور بمفرده، ومن ثمّة (والشواهد عديدة على الفايسبوك) «الوزير يمارس القمع» (حسب البعض) ليس تطبيقا لأيّ قانون، بل يريد أنّ «يلهف الغلّة» بمفرده. غلال يرى فيها أيّ تونسي منذ لحظة فتح حساب على الفايسبوك لأوّل مرّة، ليس فقط أنّه يملك نصيبًا منها، بل (في حال استطاع) سيلتهم جميعها في لقمة واحدة دون الأخرين.

قراءة سيكولوجيّة لكتابات «النخب» (المتعلّمة) تثبت في بساطة شديدة جدّا، أنّ نسبة تقلّ قليلا جدّا عن مائة في المائة، لا تصدر «رأيا» (يقبل النقاش) بل هي «حقائق مطلقة» بمعنى الحكم الجازم والتام والذي لا يقبل النقاش ولا يحتمل التأويل أو النقض أو حتّى الرفض على شاكلة «فلان» (وزير التربية مثلا) «فشل فشلا ذريعًا» في هذه المهمّة أو تلك، أو هي لغة «الإملاء» على شاكلة على «فلان» (وزير التربية مثلا) أن يفعل كذا ويتصرّف على هذه الشاكلة، بل المضحك/المبكي أن هناك من يستشيط غضبًا ويعبّر عن ذلك صراحة، أنّ الشخصيّة التي حكم عليها بالفشل وأملى عليها أوامره لم تستجب لهذه «الأوامر».

البيان الأوّل خارج المنطق والتاريخ فلسفة هذا الواقع، لأنّه يطلب من منظوريه، أن يتنازلوا على ما هو أغلى من النفس والعرض والأرض، وكلّ ما تعلمنا أنّه غال عند «الإنسان» (في تونس). هو يطالبهم بأن يتحوّلوا من كائنات حيّة «بالإعلام» سواء التقليدي أو وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مجرّد كائنات حيّة بالتنفّس والأكل والشرب فقط.

مع الاحترام للذات البشريّة، يمكن أن تقارن (على مستوى الغرائز الوجوديّة) «الكائن الفايسبوكي» الذي استشاط غضبًا عند الاطلاع على البيان الأوّل، بما هو سمك السلمون، الذي يريد أن يختم حياته بالعود إلى موطنه أي البقعة التي شهدت ولادته، ولا همّ له إن جاء (وزير مثلا) ناصحا أو مهدّدا أو حتّى استعمل أسلحة الدمار الشامل. 

محمد الحامدي، المناضل والنقابي، يدرك وقد كان شاهدًا في الصفوف الأولى، أن الانترنت لم يولد في دولة مثل تونس حينها «ولادة طبيعيّة»، أيّ أنّه «عالم افتراضي» يوازي «العالم الواقعي» كما هو الحال في الغرب أي طلع هذا الوليد إلى الدنيا، بل سيطر «الحاكم» (حينها) على «العالم الواقعي» لترتدّ المعارضات بأشكالها جميعًا إلى «العالم الافتراضي» الذي جعلت منه بديل «العالم الحقيقي»، ممّا جعل من الانترنت وبالأخصّ الفايسبوك كائنًا هجينًا في تونس (كما هو حال الدول المماثلة)، عالم «افتراضي التكنولوجيا» (المستوردة بكاملها)، «واقعي الفكر». مع وجوب التأكيد أنّ «الثورة» على اعتبارها تحرير لما هو «الفضاء الواقعي» حين فتحت الفضاء العامّ أمام الجميع، لم تستطع معالجة هذه «الحالة اللقيطة» التي يعيشها روّاد الفايسبوك، حين تراهم بالآلاف أو عشرات الآلاف على هذا الموقع يباركون هذه المظاهرة أو يدعمون هذا الفقير أو غيرها من العمليات التي تتطلب المرور من الافتراضي إلى الواقع، لكن عند الفعل (خارج الفضاء الأزرق) يتراجع عددهم إلى الربع في أفضل الحالات، لأنّ الفايسبوك ومن ورائه الاعلام المرئي خاصّة، صار غاية أو لذّة إن لن نقل إدمانًا في ذاته، وليس مجرّد وسيلة تعبير.

كان على الوزير، أن يضع «طُعمًا» سمينًا في البيان، بالقول أنّه يدعو إلى «التشاور» مع كامل منتسبي الوزارة من أجل بلورة خطاب جامع مانع يمثّل الوزارة ويكون أقرب إلى «الخطّ التحريري»، وأن الوزارة تعتزم فتح منصّة افتراضية لهذه الغاية. عندها يتكاثرون على هذه المنصّة مثلما يتكاثر النحل على صحفة عسل زمن جدب وخلّو المراعي. حينها سيغرقون في لعبة أدمنوها لأنّها صارت غاية ولم تعد وسيلة... حينها سيتبارى الكثير (دون تعميم) في أن ينال من الوزير، وإن كان بالتلميح صفة «المعبّر عن رأي معالي الوزير». رتبة يذهب القتال من أجلها أبعد من «داحس وغبراء»... و«البسوس»... ومن حرب المائة عام بين الفرنجة وجيرانهم الإنجليز..

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
محمد الحامدي وزارة التربية الفايسبوك الإعلام البيان
Share