fbpx تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

«مطاعم القلب» من القلب إلى القلب

:شارك


تأكّد لدى علماء الاقتصاد السياسي أنّ «الدولة» زمن الليبراليّة المتوحشة التي سرت في جميع أصقاع العالم بدرجة متفاوتة، على اعتبارها الوعاء وأيضًا المحرّك الضامن لحسن سير الشأن العام، لم تعد تستطيع أو هي ترفض تأمين العيش الكريم لجميع مواطنيها، ممّا جعل «المجتمع المدني» يلعب دورًا ليس محوريّا فقط، بل فاصلا، بمعنى ضمان الاستقرار الاجتماعي.
فرنسا مثلا، تدين بجزء من استقرارها الاجتماعي الحالي إلى شبكة واسعة من منظمات المجتمع المدني تعمل في المجال الخيري، حيث تؤفّر للطبقة الأضعف حاجيات لم يعد هؤلاء الفقراء يملكون القدرة على تأمينها بمفردهم، وهي (هذه الحاجيات) من الضروريات الأهمّ، مثل الطعام والملبس ومواد النظافة وغيرها مثل المسكن اللائق أحيانًا.
من بين هذه الجمعيات التي صارت عماد الاستقرار الاجتماعي جمعيّة «مطاعم القلب» الذي أسّسها الفكاهي الراحل «كولوش» من منطلق سياسي بحت سنة 1985، أساسه حقّ الجميع في طعام متوازن ضمن جملة الحقوق الأساسيّة الأخرى، حين بلغ عدد المتطوعين سنة 2019، 73 ألف، موزعين على 2013 مركزًا، ممّا مكّن من توفير 133,5 مليون وجبة، شملت 900 ألف شخص، من بينهم 30 ألف رضيع، بتبرعات جمليّة قدرها 93,1 مليون يورو [الأرقام من موقع الجمعيّة على النت].
في تونس، الاحصائيات تؤكّد ارتفاع نسبة الفقر وانتشار العوز، بل دخلت ضمن هذه الدائرة فئات كانت إلى وقت قريب تُحسب اجتماعيّا على الطبقة المتوسّطة، ممّا يعني أنّ الحبل على الجرّار وأنّ النسبة سترتفع، أو ستصير ذات تأثير على الاستقرار في البلد.
يختلف الخبراء وعلماء الاجتماع السياسي في تقدير دور هذه الجمعيات ومكانتها : بعض يراها جزء من هذه الليبرالية، بل هي التي تتولّى تزيين سيئاتها، وطرف أخر يراها ذات مهمّة إنقاذ أكيدة.
مهما تكن درجة الاختلاف في القراءات، فتونس لا تملك «تراثًا» مثلما هو الحال في فرنسا مثلا، حيث تحوّلت «مطاعم القلب» إلى مؤسّسة ضخمة جدّا على مستوى كمّ المساعدات ومساحة الانتشار، بل هي الضامن الوحيد لعدد متزايد من المواطنين.
الدولة في فرنسا بمعنى المنظومة السياسيّة الحاكمة، شجّعت بطبيعة الحال مثل هذه الجمعيات، ليس فقط من خلال التشجيع على التبرّع، بل سنّت قوانين تجبر أو هي تلزم تحت طائلة العقاب، المساحات الكبرى على التبّرع بما عجزت عن بيعه من مواد غذائيّة لجمعيات النشاط الخيري، وكذلك الحال بالنسبة البيع عند بعد، الذي صارت مجبرة على التبّرع بما عجزت عن بيعه.
تحتاج تونس لضمان استقرارها الاجتماعي إلى أدوات تعديل، مثل هذه الجمعيات، تخفّف من حدّة الفقر. القوانين تسمح بإنشاء الجمعيات، لكنّ التبّرع بالصفة القائمة في الغرب لم تصبح بعد من تراثنا، إضافة أنّ الغالية العظمى ممّن ينشط في جمعيّة «مطاعم القلب» هم من المتطوّعين الذين يفعلون ذلك على حساب راحتهم.
المسألة أوسع من التبرّع وأعمق من العمل الخيري، حين تعني أو هي تهمّ لحمة المجتمع أو أهمّ من ذلك الاستقرار في أبعاده العميقة. حين يأتي التبرّع أحد أشكال تعديل التناقضات والحدّ من التباين داخل المجتمع الواحد.
 

محاور:
:شارك