fbpx من «تكنوقراط» إلى «كفاءات».. هل السياسي شيطان؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

من «تكنوقراط» إلى «كفاءات».. هل السياسي شيطان؟

Share

 

بمجرّد إقلاع طائرة زين العابدين بن علي من مطار تونس قرطاج الدولي، بدأ التفكير (أو ربّما قبل ذلك) بحثا عن وزراء يملكون «المقدرة» دون أن تكون السياسة قد لوّثتهم. جاء «التكنوقراط» في حكومة محمّد الغنوشي ومن بعدها من الحكومات، في صورة «الأنبياء» أو هم «الأطهار» الذين لم تلوثهم «السياسة»، وبالتالي هم يجمعون بين أمرين :

أولاّ : كفاءة جاءت بفعل ما يملكون من قدرات معرفية ودربة على مستوى الممارسة، ضمن مجالات المال والأعمال أساسًا،

ثانيا : طهارة تتناقض مع ما صار للسياسة والسياسيين من «دنس».

لم تنقطع هذه الفكرة ولم يتراجع هذا المعتقد، بل ترسّخ يقين أنّ «من لم تلوثه السياسة» أفضل ممّن «لوثته هذه الآفة»...

أخطر من ذلك، ذلك الاعتياد أو هو اليقين أنّ «التكونوقراط/الكفاءات» جاؤوا ليس فقط للحلول محلّ «السياسيين»، بل (وهنا الخطر) لإصلاح «اخطائهم». أخطر من الخطورة ذاتها، أنّ يتحوّل «التكنوقراط/الكفاءة» إلى عقاب أو هو ذلك «الغول» الذي على السياسيين الخوف منه.

علينا الوقوف عند نقطتين، بل الذهاب فيهما إلى أبعد الحدود :

أوّلا : ظهر جليّا أنّ جميع التكنوقراط الذين جاؤوا بعد مغادرة بن علي دون أدنى استثناء، تحوّلوا إلى سياسيين، بل صاروا في الصفوف الأولى من الممارسة السياسيين، ممّا يعني أنّ «الطبيعة» أن يكون ممارس المسؤوليّة السياسية، «سياسيّا»، ومن ثمّة يكون «التكنوقراط» الصرف الذي لا تشوبه شائبة، مجرّد «حالة نادرة»، أو استثنائيّة،

ثانيا : قرار السيّد محمّد الحبيب الجملي بتشكيل حكومة «كفاءات»، جاء من باب ردّ الفعل الغاضب، تجاه ما أتاه «سياسيون» تجاهه. ممّا يعني أنّ ممارسة السلطة تعود إلى «الكفاءات» وعلى «نوّاب الشعب» الخيار بين الدعم أو مواجهة الشارع.

هي أزمة على مستوى الفكر والقناعات وكذلك التصوّرات، وخصوصًا الممارسة السياسيّة. أزمة قراءة للوضع حين تصير الغرائز وكذلك العواطف، مصدر الاطلاع على العالم المحيط ومن ثمّة تأسيس الفكرة عنه.

مصيبة هذه البلاد أنّنا نردّد الأفكار دون قراءة لتطبيقاتها السابقة :

أوّلا : هل ثبت أنّ «التكنوقراط» الذين تقلدوا المناصب، كانوا فعلا هؤلاء «صفر سياسة»؟

ثانيا : هل استطاع هؤلاء أن ينجزوا ما عجز «السياسيون» عن فعله؟

عدد كبير من الفاعلين السياسيين، يواصلون الحديث عن التكنوقراط وعن الكفاءات، في صورة «المعجزة» التي ستنقذ البلاد، وأيضًا يستطيع هؤلاء التحوّل (أسوة بالخصيان في العصور الوسيطة) إلى «فئة حاكمة» بمعنى تحمّل المسؤوليّة.

لسائل أن يسأل، سواء في ما يخصّ مرحلة «حكم التكنوقراط» أو «حكومة الكفاءات» (مع تأجيل التنفيذ)، عن الأسباب التي قادت إلى موقفين :

أوّلا : «الطهرانيّة» بمعنى البحث أو السعي وراء «الوزير النظيف» سياسيّا، ليصير هذا «المخلوق» في ذات مقام «الأولياء الصالحين» في الذاكرة الشعبيّة؟

ثانيا : عدم الاتعاظ بالماضي وانعدام القدرة على اتخاذ العبر من التاريخ؟

يتحمّل دستور البلاد جزءا من الأزمة الراهنة، حين جعل لمن يتحمّل مسؤولية رئاسة الحكومة مكانة تفوق مكانة رئيس الدولة، علمًا وأنّ الأوّل معيّن والثاني منتخب عبر الاقتراع العام، ومن ثمّة يمكن تفسير (رجوعًا إلى الماضي) الأزمة التي جدّت ودامت وطالت، بين الرئيس السابق الباجي قايد السبسي (السياسي المخضرم) في مقابل رئيس الوزراء (الكفاءاة) يوسف الشاهد؟

حين نريد علميّا أن نفسّر معنى «تكنوقراط» أيّ تلك «الكفاءة» القادرة على ممارسة الحكم دون خلفيّة سياسيّة، فذلك يعني أنّ هذه «القدرة» تستطيع تنفيذ برنامج جوزيف ستالين حين أراد أن يبني معامل الحديد والصلب أثناء الحرب العالميّة الثانية، لصناعة الأسلحة والدبابات خصوصًا، مهما كان الثمن البشري، وهذه الكفاءة قادرة على العمل في دولة «الليبراليّة المتوحشة» التي تنزع عن الرضيع حليبه وعن المريض دواءه وعن التلميذ مدرسته

بالمختصر : بدون وعي سياسي، أي ممارسة السياسة، تكون هذه الكفاءات أشبه بجهاز التنفيذ الذي لا أخلاق ولا وعي ولا إدراك له.

أيضًا، راهنًا، يقدّم محمد الحبيب الجملي ذاته في شكل «الكفاءات» ومن ثمّة هو نقيض جميع الأوصاف التي أطلقها على «الذين أفسدوا حكومته»، ومن ثمّة يكون السؤال عمّن يسطّر السياسة، ليكون السيد الجملي سياسي دون أن يكون مثل غيره من السياسيين (المنبوذين)!!!

 

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
Share