fbpx هدية "تاف" للخطوط التونسية: قطعة الشوكولا التي تحجبُ غابة الإفلاس! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هدية "تاف" للخطوط التونسية: قطعة الشوكولا التي تحجبُ غابة الإفلاس!

Share

 
وسط انشغال رئيس الحكومة، هشام المشيشي، بمعركة كسر عظام الدولة التي يشنّها ضدّ رئيس الجمهوريّة، وفي غمرة انشغالاته بمشاريع قوانين عملاقة وحيوية على غرار كضرورة مراجعة قانون استهلاك مادة القنب الهندي، المعروفة شعبيا باسم "الزطلة"، فاجأت  شركة "تاف" التركية الجميع ووجهت عدل تنفيذ إلى المقرّ الاجتماعي لشركة الخطوط التونسية حاملا  محضر اعلام بإجراء عقلة توقيفية على كامل الحسابات البنكية للناقلة الوطنية، وذلك في حدود مبلغ دين تخلد بذمتها لفائدة شركة " تاف" التركية المستغلة لمطار النفيضة الدولي، بما قدره 28 مليون دينار.
 والحقّ أننا لا نتوقع البتة أن يزعج الخبر الذي نشرتهُ إذاعة "موزاييك" المسؤول الحكوميّ الأوّل، ولا الرئيسة المديرة العامّة لشركة الخطوط الجويّة التونسيّة، السيدة ألفة الحامدي التي تجنّبنا الحديث عنها قدر الإمكان، على أعمدة "شكشوكة تايمز"، كيلا نزعج الرؤوس الحالمة برؤية ابتكاراتها في علوم التخطيط والإدارة، التي قالت عنها، وهذا كلامها هي ننقلهُ كما هو، إنّها أثرت في الاقتصاد الأمريكي. 
وإذ قلنا أنّ إجراء شركة "تاف" التركية لن يزعج المسؤول الأول عن الجهاز التنفيذي، ولا من عيّنها على رأس أهم مؤسسة عمومية في البلاد، رغم سيرتها الذاتية الفارغة (وبوسع أيّ مبتدئ أن يبحر على الشبكة العنكبوتية ويتأكد من هذا)، وهي شابة كل إنجازاتها إلى حدّ الآن لا تخرج عن تكريس سياسة الإثارة والفيديوهات مدفوعة الأجر للترويج لنجاحات وهميّة لا أثر لها في الواقع، فذلك لأنّ وضعية المؤسسات العمومية برمّتها وقعت إزاحتها منذ مدّة من أولويّات هذه الحكومة، هي وغيرها من الملفات الحارقة، من أجل عيون معركة تنضحُ شهوةً للسلطة والتمكين على حساب مقدّرات الدولة التونسية. ومن يعتقدُ أنّ وضعيّة "الغزالة" هي الوضعية الوحيدة التي تبعثُ على الخوف والحيرة، فهو واهمٌ، إذ أن ما سنقدّمهُ من أرقامٍ في هذا المقال، سيكشفُ حجم الخسائر التي تتكبدها المجموعة الوطنية بسبب التلكؤ في إنقاذ هذه المؤسسات التي كانت إلى وقت غير بعيدٍ جواهر تزيّن تاجي قطاعي الصناعة والخدمات في تونس، علاوةً على استشراء الفساد وسوء التسيير فيها.

مديونيّة فلكية

والحقّ أن المبلغ الذي تدينُ بيه "الغزالة" لشركة "تاف" التركية (المدينة بدورها بملايين الدنانير للدولة التونسية التي لم تطالب بها إلى حدّ الآن) يعدُّ مبلغا جدّ تافهٍ مقارنةً بمديونيتها الحقيقية. ممّا لا يشكّ فيه عاقلٌ واحدٌ أن الوضعيّة الحاليّة للغزالة وباقي المؤسسات والمنشآت العمومية تعدّ أحد أوجه التلكؤ في معالجة أزمات هذه المؤسسات و تكريسا لسياسة إهدار المال العامّ خصوصا في ظلّ المعالجة السطحيّة لأزمات القطاع العام، ما يجعلُ منه قنبلة موقوتةً قد تنفجرُ في أيّة لحظة في وجه حكومة هشام المشيشي، في ظلّ تضخّم كتلة الأجور وارتفاع المديونية الجبائية، علاوة على انّ هذا الملف تحديدًا يعتبرُ أحد مناطق الاشتباك المفضّلة للاتحاد العام التونسي للشغل، الرافض لعمليّات التفويت لاعتبارات استراتيجية واجتماعية.
ولكي نكون دقيقين أكثر، سنذكر ببعض الأرقام التي قدّمتها وزارة المالية في العام 2020، حول مديونية المؤسسات العمومية، إذ قدرتها وقتها بـ 2.034 مليار دينار (وهي ارقام تحتاج إلى تحيين لأنها تعود رسميا إلى العام 2018) وتشمل حالة العجز المالي شركات حكومية تلعب أدوارا اجتماعية مهمة على غرار الديوان الوطني للتطهير، والشركة التونسية للسكك الحديدية التونسية وشركة الخطوط الجوية التونسية وشركة نقل تونس وشركة فسفاط قفصة. وقبل أن نقدّم جردًا مفصّلاً بديون بعض هذه المؤسسات، لا بدّ أن نذكر بأن حجم مديونيتها مرّ من 1.774 مليار دينار تونسي سنة 2016، إلى 1.9 مليار دينار تونسي سنة 2017، لتستقر في حدود 2.034 خلال سنة 2018.
وفي تقرير كانت قد تقدمت به وزارة المالية إلى البرلمان التونسيّ في العام 2020، نقفُ على الوضعية الكارثية التي باتت عليها غالبيّة المؤسسات العمومية. خسائر بآلاف الملايين من الدنانير، أجور متضخّمة، عمالة زائدة عن الحدّ، سوء توزيع للموارد البشرية، وغيرها من المؤشرات التي إن دلّت على شيء فهي تدلّ على صعوبة الإنقاذ.
ففي باب ديون الدولة الجبائية تجاه المؤسسات العمومية فقد بلغت موفى ديسمبر 2019 ما قدره 1290 مليون دينار منها 1064 مليون دينار تهم 7 مؤسسات فقط. وتوزعت ديون الدولة الجبائية تجاه هذه المؤسسات السبعة كما يلي:
   -  الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية 461  مليون دينار
   -  شركة نقل تونس 330  مليون دينار
   -  اتصالات تونس 128 مليون دينار
   -  الشركة العامة للمقاولات والمعدات والأشغال: 63 مليون دينار
   -  المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية: 32  مليون دينار
   -  شركة فسفاط قفصة 25 مليون دينار
   -  الشركة الجهوية للنقل بنابل 24 مليون دينار
وللتذكير كانت الخطوط التونسية قد كشفت، خلال الربع الأول من سنة 2019 أن حجم ديونها بلغ 1078 مليون دينار، وهو رقم يحتاجُ إلى التحيين، لا سيما ان الشركة لم تنشر قوائمها المالية منذ العام 2017.
كما تضمن التقرير معطيات أخرى أولية حول مستحقات أهم المنشآت العمومية لدى الدولة إلى موفى سنة 2019.وبلغت هذه المستحقات بالنسبة إلى 11 منشأة 5098 مليون دينار موزّعة كالتالي:
   -  الشركة التونسية لصناعات التكرير: 2465  مليون دينار
   -  ديوان الحبوب: 1054 مليون دينار
   -  الشركة التونسية للكهرباء والغاز 840 مليون دينار
   -  شركة اتصالات تونس: 253 مليون دينار
   -  الشركة الوطنية لتوزيع البترول: 153 مليون دينار
   -  الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه: 110 مليون دينار
   -   المجمع الكيميائي التونسي: 103 مليون دينار
   -  المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية: 71 مليون دينار
   -  ديوان الزيت: 40 مليون دينار
   -  الشركة العامة للمقاولات والمعدات والأشغال 4 مليون دينار
   -  الديوان التونسي للتجارة: 4 ملايين دينار
ومقابل ارتفاع مديونيّة المؤسّسات، نلاحظُ ارتفاعا "غريبا" و"غير مبرّر" للأجور في القطاع العام إذ يبلغ متوسط الأجور داخل القطاع العام حوالي 1700 دينار. وهذه لائحة بمعدّلات الأجور في عدد من المؤسسات العمومية:
   -  الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 2100 دينار
   -  الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية 2800 دينار
   -  الشركة التونسية لصناعات التكرير 4400 دينار
   -  الشركة الوطنية لتوزيع البترول عجيل 3900 دينار
   -  الشركة التونسية لصناعة الحديد/الفولاذ 3500 دينار
   -  الشركة التونسية للكهرباء والغاز 3200 دينار
   -  الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه 2400 دينار
   -  المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية 2000 دينار
   -  شركة الخطوط التونسية 5500 دينار
   -  شركة نقل تونس 2800 دينار
   -  شركة فسفاط قفصة 3200 دينار
   -  المجمع الكيميائي التونسي 3800 دينار
وهنا نرى من المهمّ أن نوقف الجرد تمامًا، لسبيين على الأقل: أولا، هذه الأرقام هي غير محيّنة، رغم أنها وردت في تقرير تقدمت به وزارة المالية لمجلس نواب الشعب في شهر ماي من العام الماضي، ما يعني أنّ الخسائر تفاقمت ومعها حجم المديونية. ثانيا، اعتمدنا هذه الأرقام على سبيل الإشارة فحسب إلى وضعيّة المؤسسات العمومية، ذلك أنّ الأمر يتجاوز بالفعل عمليّة الجرد، ليوجّه إصبع الإدانة إلى الطرف الحكومي المنشغل بتصفية حساباته السياسية على حساب شركاتٍ معطّلة بل وتحوّلت إلى إرثٍ ثقيل يلتهم كتلة الأجور على نحوٍ غير مسبوق.

..ويتواصل إهدار المال العام

ولعلّ ما يثيرُ الغضب أكثر هو صمتُ "السلطة السياسية" على ما يحدث. فلأول مرة في تاريخ تونس الحديث ستعجزُ شركة فوسفاط قفصة مثلاً عن سداد أجور موظفيها، بعد أن تحوّلت تونس من دولة تعدّ مصدرا استراتيجيا لهذه المادة، إلى دولةٍ مورّدة، مع تتالي الاعتصامات العشوائية، علاوةً على سوء التصرّف والفساد. وبالمثل، عهدت مهمّة إنقاذ "الغزالة" إلى شابّة نكرة، هي عبارة عن "فقاعة اتصالية" يحيطُ الغموضُ بماضيها كلّه، مما عزز المخاوف في حقيقة أن تعيينها من طرف هشام المشيشي نفسه يخفي وراءهُ رغبةً في التفويت في هذه الشركة. وقس على ذلك قضايا الفساد  وسوء التصرّف في بقية الدواوين والمؤسسات العمومية، بل إن بعضها يحتكرُ أنشطة بعينها كشركات الماء والغاز والكهرباء والنقل الجوي والتبغ والوقيد وصناعة الورق الخ، ما يطرحُ مليون سؤالٍ حول انحدار هذه الشركات من منطقة الربح إلى منطقة مراكمة الخسائر بشكلٍ غير مسبوق. 
ومما لا شكّ فيه أن وضعيّة المؤسسات العمومية اليوم تمثلّ خطرًا حقيقيا على وضعية الاقتصاد التونسي، المنهك بدوره من تداعيات جائحة كورونا، في ظلّ تراخي الدولة الغريب في معالجة هذا الملفّ. وحتى إجابات وزير المالية الحالي، علي الكعلي، حول سبل إنقاذ هذه المؤسسات، لم تحد البتة عن سياق المناورة المفضوحة، حين لوّح في إمكانية التفويت في بعضها، ما فهم منه أنّه رسالة موجهة للاتحاد العام التونسي للشغل، رسالة هي عبارة عن وثيقة ضغط تهمّ أساسا المفاوضات الاجتماعية ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بمسار إصلاحٍ جدّي لوضعيّة المؤسسات العمومية. 
والمعلوم أنّ هذه المؤسسات تمثّلُ نزيفا مستمرًّا للمالية العمومية، فعلاوة على حجم الأجور المرتفع فيها (حوالي 35 بالمائة من كتلة الأجور)، تقومُ بابتلاع آلاف المليارات سنويا، ملياراتٌ تضخُّ فيها دون مردودية، وكان من الأجدى أن توجّه إلى أبواب أخرى كالاستثمار العمومي ومساعدة شركات قطاع الخاص مثلاً على تجاوز أزماتها الحالية. ومع ذلك، لا يكفي الدولة أنّها أثبتت بالدليل القاطع أنها متصرّف سيء في مؤسساتها، بل كرّست سياسة التراخي في معالجة هذا الملفّ، ما حدا بالخبراء التونسيين وحتى خبراء صندوق النقد الدولي والجهات المانحة إلى دقّ جرس الإنذار، بيد أنّه جرسٌ يقابلهُ صممٌ غريب، كما لو أنّ الحكومة الحالية تسلكُ مسلك سابقاتها في التفصيّ من مسؤولية فتح هذا الملفّ. 
بالمحصّلة لا يعدُّ حجم ما تدين به شركة الخطوط التونسية إلى شركة "تاف" التركية (في انتظار فتح ملف هذه الشركة المشرفة على مطاري النفيضة والمنستير، وكشف الأرقام الحقيقية التي تدينُ بها إلى الدولة التونسية) سوى قطرة من بحر عواصفٍ يلتهمُ المليارات سنويا، مليارات تضخ في مؤسسات مفلسة، دون وجود أيّ بصيصٍ أمل في الإنقاذ أو الإصلاح، لا سيّما مع تكريس ثقافة "البوز" و"الإثارة الرديئة" التي صارت مدخل مسؤولي "الصدفة" لترويج نجاحاتٍ وهمية لا تقنع سوى الأحمق أو المناصر الأعمى لأحزاب الوسادة السياسية. 
 

محاور
تقديرموقف اقتصادية
الكلمات المفاتيح
المؤسسات العمومية الديون الخطوط التونسية هشام المشيشي تاف الإفلاس الشركة التركية تونيسار ألفة الحامدي الغزالة
Share