fbpx هشام المشيشي وخطابُ الارتباك أو كيف تقفزُ إلى مسبحٍ فارغٍ من تلقاء نفسك! | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هشام المشيشي وخطابُ الارتباك أو كيف تقفزُ إلى مسبحٍ فارغٍ من تلقاء نفسك!

Share


تابع التونسيون ليلة أمس، والذهولُ يكادُ يقتلعُ أعينهم من محاجرها، كلمة رئيس الحكومة هشام المشيشي بخصوص الاحتجاجات التي تعرفها عددٌ من مناطق البلاد. ومردُّ ذهول التونسيين في الواقع هو قصر الكلمة وارتباكها الواضح فضلاً عن كمّ الأخطاء النحوية والإملائية التي ارتكبها رئيس الحكومة، هذا الذي اختار أن يختارَ أن يخاطب عموم شعبهِ بالعربيّة الفصحى، وبلغةٍ هي أقربُ إلى تمائم السّحرة، بينما كان الوضعُ يستدعي مخاطبة التونسيين بلهجتهم، والتوجّهِ مباشرةً نحو مشاكلهم الحقيقية.
لقد خلا الخطابُ من أيّ مضمونٍ يمكنُ الاستدلالُ بهِ أو تحليلهِ، فلا هو تضمّنَ شرحًا لأسباب حالة الاحتقانِ الاجتماعي، وما ولّدها من أحداثٍ عنفٍ في أغلب مناطق البلاد، ولا هو تضمّن إدانة للعنف الأمنّي المبالغ فيه، خصوصًا في متابعة التحرّكات الاحتجاجيّة، ولا هو قدّمَ أخيرًا حلولاً واقعيّة لأزمات واقعيّة. لقد جاءت الكلمة مبتسرة، مرتبكة، مشدودةً من أذنيها، خائرة القوى، تتردّدُ فيها مفردةُ "أتفهّمُ" أكثر من مرّة دون كبير اقتناع أو قدرةٍ على الاقناع، ما أعاد إلى أذهان التونسيين عبارة "أنا فهمتكم" الشهيرة التي قالها الرئيس الرّاحل زين العابدين بن علي، ليلة 13 جانفي من العام 2011. بل إنّ مغازلة الشباب والإقرارُ بأنّهم يمتلكون الحلول التي لا تمتلكها النخب السياسية، وبأنهم أبناء عصرهم القائم على ثورات التقانة المتعاقبة، بل والتأكيد على اعتزامه إحداثٍ ما لا ندري كيف نسمّيه للإنصات إلى مشاغلهم والأخذ بمقترحاتهم، بدت اشبه بهمسةِ عاشقٍ خائفٍ من صدٍّ جديد.

بين جفاف اللغة والإقناع

والحقّ أنّ الباحثين في مسائل علم الخطاب السياسي (وهو فعل علم له سننه وقوانينه وقواعده وبراديغماته ومدارسه كذلك) لطالما تساءلوا عن الطرق المثلى لرفع الخطاب السياسي من مرتبةِ اللغة الجافة، المناورة، الخائفة، والمرتبكة أو حتّى الصداميّة إلى مرتبةٍ أعلى هي القدرةُ على الاقناع، حتى وإن مضمونه أكثر فراغًا من فؤاد أمّ موسى. 
وللتدليل على ذلك، سنأخذُ مثالين بسيطين في هذا الإطار: ففي العام عام 1958 ألقى شارل ديغول في الجزائر، التي كانت تحتلها فرنسا، خطاب الشهير الذي وردت فيه جملة باتت مثلاً سائرًا، هي جملة «لقد فهمتكم». ففي هذا الخطاب قال ديغول: «أعرف ما حدث هنا، وأرى ما تريدون القيام به، أرى أن الطريق الذي فتحتموه في الجزائر هو طريق التجديد والأخوة». وكلّما فعلهُ ديغول هنا هو استخدام ما يسمى بحجاجيّة اللبس، إذ بدا الخطابُ وكأنّه موّجه للفرنسيين والجزائريين على حدّ سواءٍ، ما مكنهُ من لملمة "الأزمةِ" ظرفيّا وربح الوقت وذلك كلّ ما كان الزعيم الفرنسيّ يحتاجه. وبعد حوالي 42 عامًا، استخدم الرّئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي نفس التيمة "لقد فهمتكم" أو "أنا فهمتكمْ"، لكنّ الوقت كان فات حقّا، أمام جموعٍ وحّدتها الرغبةُ المشتركة في إنهاء حكم مافيا عائلية أتت على الأخضر واليابس في البلاد. لقد نجح ديغول لأنّ عامل الوقت كان يلعبُ لصالحهِ، ولهذا نجح الغموضُ والتعويمُ، بينما فشل بن علي، لأنّ الوقت لم يكن حليفهُ، كحالِ السيّد هشام المشيشي. وهذا ما يفسُّرُ إحباط التونسيين من كلمتهِ.
صحيحٌ أنّ غالبية الشعب التونسي تدينُ أعمال السّرقة والعنف وحرق المحلات والرشق بالحجارة، لكنّ هذه الغالبيّة تعرفُ جيّدًا ما وراء الأكمة، ذلك أنّ عقدًا كاملاً من التسويف والمماطلة والكذب والتناحر السياسي ومراكمة الثروات والفساد كان كافيًا بالنسبة إليهم لتبرير أيّ تحرّك احتجاجيّ ضدّ دولةٍ رخوة، يفكرُّ قادتها في مواقعهم أكثر من تفكيرهم في الاستجابة إلى مطالب التونسيين الأصليّة. لقد غفل هشام المشيشي، والارتباكُ بادر على ملامحه، أنّ الوقت ليس حليفًا له، خصوصًا أنّ من خرجوا إلى الشوارع هذه المرّة، هم شبابٌ لم تلوثه الأيديولوجيا أو مشاريع الأحزاب المشتتة، شبابٌ لا يعنيه اليمينُ ولا اليسارُ، ولا المقولات المحشوّة بالسمّ والدسم، شبابٌ كلّ ما يعنيه هو الاستجابة إلى مطالبه الرّئيسية، مطالبٌ ليس من باب المصادفة في شيء أن تكون هي مطالب الشبابُ المحتجّ في 2010 و2011. 

خطأ في العنوان

ما لم يفهمهُ المشيشي وهو يتعلثمُ لاويا رقبة اللغة العربيّة، أنّ من خاطبهم ليلة أمس ليسوا أنصار حزامه السياسي الذين سيأمنون على كلّ كلمةٍ يقولها، وليسوا جماهير الصناديق الانتخابية، بل عموم مواطني هذا البلد، من انتخب ومن لم يفعل، وهؤلاء يبحثونَ أوّلاً عن حلولٍ لمشاكلهم ومشاكل أبنائهم. هؤلاء يبحثون عن حلولٍ عمليّة لأزمةٍ لا دخل لهم فيها بل ويطالبونَ بخطابٍ سياسيّ صريحٍ، شفاف، يسمّي الأشياء بمسمياتها، ويطرحُ مضامين قابلة للتحقيق. 
فماذا فعل المشيشي؟ لقد توهم أن استخدام عبارة "احتجاجاتٍ غير بريئة" والتلويح بتطبيق القانون، مراوحًا بين التلطيف والصرامة، قادر على منحه ما يريد وهو ربحُ "الوقت"، بيد أنّ الوقت كلّهُ كان إلى جانبه، وجانب كلّ من سبقهُ إلى القصبة، لكنهم لم يفعلوا شيْئًا. لقد توهمّ أن مغازلة الشباب بذلك الأسلوب الفجّ ستجعلهم يعودون إلى منازلهم حاملين صوره وصادحين باسمه. لقد توهمّ أنه يخاطب موالين سينصتون إلى كلمته "الصارمة" بكلّ امتنانٍ، فها هو أخيرًا رجل دولةٍ حقيقي يخاطبنا من مكتبهِ الوثير. 
والمعروف أنّه لكي تكون خطيبا سياسيا ناجحا (وهذا ما لا ينطبق لا على هشام المشيشي أو قيس سعيّد أو حتّى راشد الغنوشي)، يجب أن تتمتع بخصلةٍ مهمّة وهي القدرة على الإقناع باعتماد استراتيجية الحجاج المنطقيّ. فالتونسيون قد يعجبهم الخطيبُ المفّوه لكنهم سرعان ما يولونه ظهورهم إن هم تبيّنوا فراغ جعبته من أيّة حلول أو حتّى مشاريع حلولٍ، ذلك أنّ كلّ ما يريدونهُ هو الانصاتُ إلى ما يحترمُ عقولهم وقادر على إقناعهم. 
ما يجب أن يفهمه المشيشي وغيره أنّ سياسة "الفزاعات" و"الخصوم الوهميين" لم تعد تجدي مع تدهور الأسعار وتراجع مستويات المعيشة وتدهور الوضعين الصحيّ والتربويّ وانسداد الآفاق أمام الشباب وارتفاع مستويات الجريمة المنظمة وانهيار المؤسسات الاقتصادية وارتفاع مستويات البطالة وغيرها من الأعطاب الجاثمة على صدر البلد. أجل، كلّ ذلك لم يعد يجدي، ولا حتى القراءةُ من ورقة وبعربية مهشّمة تنصبُ الفاعل وترفعُ المرفوع، ذلك أنّ الواقع يقولُ إنّ ثمّة صوتٌ هادرٌ ارتفع ولا سبيل إلى إيقافه، وهو صوتٌ الشباب التونسي الذي عاف خزعبلات الكهول والشيوخ، شبابٌ لا يحتاجُ إلى خطابة أو بلاغة، بل إلى تمكينه من التعبير عن نفسه والإنصات جيّدًا إلى ما يقول. 
ولكن، على من تقرأ زبورك يا داود!
 

 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
هشام المشيشي رئيس الحكومة خطاب احتجاجات ليلية الشباب
Share