fbpx هل بات التعايش مع كورونا قدر التونسيين؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل بات التعايش مع كورونا قدر التونسيين؟

Share

 

بات من الواضح أن المسؤولين التونسيين في طريقهم إلى رمي المنديل  تمامًا بعد إعلان قطاع المقاهي والمطاعم بإعلان العصيان المدني في صورة مضي الحكومة في تطبيق إجراء حظر التجوال انطلاقا من السابعة مساء.
 فقطاع يشغّل حوالي 700 ألف عامل، ويعد الأكثر تضررا من الموجتين الأولى والثانية لجائحة الفيروس، سيرفض بالتأكيد تحمّل فاتورة اللامبالاة الحكومية طوال الأشهر الأخيرة وتقاعسها في إجبار مواطنيها على احترام التدابير والإجراءات الصحية، علاوة على أنه من غير المقبول أخلاقيا واقتصاديا، إجبار 700 ألف عامل على التضحية بمرتباتهم الهزيلة خلال شهر رمضان المعظم، لإنقاذ ماء وجه حكومة تميزت بتراخيها الغريب في مكافحة الجائحة، بل وتعمدت فرض منطق التعايش مع الفيروس على مكافحته بجدية.

في حتميات التعايش

وبعيدًا عن المآزق القطاعية التي صار التعليقُ عليها أشبه بمحاولة انتزاع ناب فيل هائجٍ، تجدرُ الإشارة إلى التعايش مع الفيروس صار حتمية لا خيارًا، على اعتبار أنّ البديل، أي إقرار الحجر الصحيّ العام وإغلاق الحدود ثانية، سيعود بالوبال على الاقتصاد التونسي، علما أن "هذا الاقتصاد التونسي"، يمرّ بظرفية كابوسية من قبل حتى أن تنتشر الجائحة. وبالتأكيد، سيكون من شأن اتخاذ إجراءات وقائيّة مشدّدة لمواجهة تداعيات كابوس الموجة الثالثة، أن يعمق من أزمة الاقتصاد التونسي المترنح بطبعه، بل أن التحجج بحماية الرأسمال البشريّ التونسي، أي العمادُ الرّئيس لأي اقتصاد قويّ أو ضعيف، لم يعد له أي معنى فجائحة كورونا بالنهاية ضيفٌ ثقيل الظلّ، علينا أن نتعايش معهُ محافظين قدر الإمكان على كماماتنا ومعها أفواهنا المغلقة.
على أن تقديم الاقتصادي على ما هو صحيّ في ظروف كهذه لا يمنعنا من مساءلة القرارات الارتجالية للحكومة كأن نسألها مثلاً: هل جهّزت مستشفياتها ومرافقها الصحيّة لاستقبال ضحايا الموجة الثالثة؟ هل جهّزت مدارسها وجامعاتها لاستقبال التلاميذ والطلبة وفق بروتوكول طبيّ صارم يحمي "رأسمالنا الوطني" الحقيقي من جائحة هي الأخطر على الإطلاق؟ هل جهّزت إداراتها ومرافقها ومؤسساتها العموميّة على نحوٍ يجعلها تتفادى شللاً وظيفيّا مقبلاً غير مدبرٍ في صورة انتشار الجائحة بين موظفيّها؟
يقينًا نعرفُ أنّ بلادنا غير جاهزة على الإطلاق لمواجهة خطبٍ كهذا، بدأ في حصد الأرواح بنسقٍ تصاعدّي (وهو المقياس الأفضل بالنسبة إلينا لتحديد مدى خطورة الفيروس)، فلا هي تملكُ مستشفيات مجهّزة، ولا مدارس أو جامعات أو مؤسسات إداريّة، قادرة على توفير أقصى درجات الحماية لعموم التلاميذ أو الموظّفين. فعلى ماذا يعوّلُ العقل السياسي الاستشرافيّ في تونس إذن؟ هل يعتقدُ مثلاً أن كورونا فيروس مؤدّبٍ يلقي التحيّة كلاعبي الجودو قبل دخوله حلبة الصراع؟ لعلّهُ يعوّلُ على ما يتمتّع به الفيروس من حياء أخاذ وخجل مفرط من هذهِ الدولة التي تساسُ كما يساسُ محلّ بقالة في منطقة ريفيّة نائية؟

مناطق حمراء!

إنّ ارتكان الحكومة إلى هذه التدابير المفرغة من أيّ معنى، يوجّهُ رسالة واضحة وصريحة إلى عموم الشعب التونسي مفادها: "لا حلول لدينا"، ورغم ما في هذه الرّسالة من خطورة، ينسى المسؤولون المنشغلون بالحسابات السياسوية الضيقة، إنّ خروج الأمور عن السيطرة، أيّ وصولنا إلى المنطقة الحمراء، يعني آليّا، تعاظم مخاطر توقّف المؤسسات الاقتصادية، في القطاعين العام والخاصّ، بسبب ارتفاع أعداد المصابين، وربّما حالات الوفيات لا قدّر الله، مع ما يعنيه ذلك، من أزمات اجتماعيّة على المدى المنظور، كتسريح العمال، واستفحال حالة الركود الاقتصادي، واندلاع الحرائق الاجتماعية. بمعنى أنّ دعوة التونسيين إلى التعويل على أنفسهم، قد تكون نتائجها أخطر ألف مرّة من تداعيات فيروس كورونا الحاليّة.
قد نتّهم الآن بتسويق سيناريو كابوسي، وقد نسأل عن البدائل المتوفّرة، طالما أننا نرفضُ الطرح الرسميّ حول حتميّة التعايش مع الفيروس. وفي الواقع الحلولُ موجودة، كفرض التعليمِ عن بعد، على صعيد المدارس والجامعات، مع العمل على توفير الشروط التقنيّة اللازمة لذلك. ذلك أنّ المخاطرة برأسمال البلاد، أطفالاً وشبابًا، وفي وضعيّة كهذه، تحججًا بقدرة الدولة على السيطرة على تطور النمط الوبائي، ما هو إلاّ محض دعاية سخيفة، لا شيء يسندها في الواقع. وبالمثل، لا نرى بديلاً عن فرض فكرة العمل عن بعد، مع تخفيف الإجراءات الإداريّة، والاستثمار في الرقمنة، خصوصًا أن الدولة لها بالفعل منصّات رقمية بيد أنّها غير مفعّلة. أما عن حماية الاقتصاد التونسي، في ظرف كسادٍ عالميّ يتميّزُ بنزوع الاقتصاديات الكبرى إلى التقوقع على نفسها، والتقليل من حجم المبادلات التجاريّة، إلا في ما هو ضروريّ للنشاط الاقتصادي، فما من شكٍّ في وجود الحلول الكفيلة بتحقيق ذلك، كتنشيط السوق الداخليّة، مع اتخاذ قرارات حمائيّة واضحة (في إطار الردّ بالمثل) تهدفُ إلى حماية المؤسسات التونسية ومواقع العمل فيها.
وإذ كنّا نعرفُ أنّ إجراء غلق الحدود أو فرض الحجر الصحي الشامل لم يعد بالأمر المقبول اقتصاديا واجتماعيا على الأقل، فضلاً على أن قرارًا كهذا لا جدوى منه بعد تغيّر النمط الوبائيّ، وانتشار الفيروس على نحو قياسي وغير مسبوق، فإنّ التفكير في بدائل واقعيّة ومرنة، أصبح أمرًا ملحّا حتى لا نخسر كلّ شيء دفعة واحدة، أي اقتصادنا وأرواح مواطنينا.
وبالمحصّلة، ثمّة حقيقة مزعجة ومع ذلك سنقولها، وهي أنّ كابوس كورونا في طريقه إلى تعميقِ أزماتنا، علما أنّ أضرار الفيروس لا تتوقف عند حدود الإصابة نفسها، بل إنّ التعافي من الفيروس قد لا يكونُ تامّا، في ظلّ تأكيد أكثر من دراسة علميّة على أنّ كوفيد-19 يتسبب بسلسلة واسعة من الأمراض مثل ضمور الرئة، الجلطات، واضطرابات في تخثر الدم والعديد من الأمراض المناعية، إضافة إلى أمراض الكلى، وفي بلدٍ ذي إمكانيات ضعيفة كتونس، ترتفعُ المخاطر بارتفاع الأعباء الاجتماعيّة والصحيّة المنجرّة عن أيّ خطأ تقديريّ. وهذا "الخطأ التقديري" الذي يتبدّى لنا في صورة عجز رسمي شامل عن فرض الانضباط، نراهُ أشدّ فتكا من كورونا نفسهُ، ذلك أنّ تداعياتهُ الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، في مناخٍ تغيبُ الثقة فيه بين المواطن وحكوماته المتعاقبة، تعدُّ في نظرنا، مدخلا لكل الشرور القادمة.
 

محاور
اقتصادية
الكلمات المفاتيح
التونسي كورونا أزمة اقتصادية جائحة غلق الحدود حظر التجول
Share