fbpx هل من الممكن تخيّل عالمٍ بلا قبل؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل من الممكن تخيّل عالمٍ بلا قبل؟

Share

 

هل ستصبحُ القبلةُ قريبًا مجرّد ذكرى نستحضرها عن "عالمنا السّابق"؟

لو اعتمدنا المبدأ الكانطيّ، لقلنا إنّ القبلة تكشفُ عن قابليّة "الاجتماع اللا اجتماعيّة" عند البشر، أي نزوعهم إلى الانخراط داخل مجتمعٍ مّا، إلا أنه نزوعٌ مرتبطٌ بمقاومة دؤوبٍ لذلك الانخراط. وهذا ما تفعلهُ القبلةُ على نحوٍ فريدٍ، حين تجعلنا على اتصالٍ مباشرٍ آخر، ما حدا بجيرالدين موسا سافوي، منتجة برنامج "طرق الفلسفة"، على إذاعة فرنسا الدولية إلى طرح التساؤل التالي: هل سنكونُ أقلّ قربًا من بعضنا البعض، إذا ما حدث واختفت القبلُ من عالمنا؟
في واقع، غُرست فكرة التباعد داخل الأذهان قبل وقتٍ طويلٍ من اتخاذ تدابير الحجر الصحيّ، إذ توقف الناس عن تبادل المصافحة، والعناق بالأحضان والتربيتات الوديّة، وحلّت محلّها إيماءات الرأس، والتلويح بالأيدي والابتسامات المسموعة..
ولقد اعتقدنا في أوّل الأمر أنّ المسألة مؤقتة ولن تدوم أكثر من بضعة أشهر...ولكن تخيّلوا هذا: ماذا لو بقينا على هذا الحال إلى الأبد؟ ماذا لو تحوّل التلامسُ والعناق والمداعبات والقبلات إلى ذكرى ماضية، ذكرى عن "عالمنا السابق"؟ هل سنكونُ حينها أقلّ قربًا من بعضنا البعض؟

فنّ القبلة

تعدُّ القبلةُ اختصاصًا فرنسيّا. ولطالما أثار الأمرُ حيرة الأجانب، إذ لا ينفكون عن طرح أسئلة من نوعٍ: متى ينبغي لنا أن نقّبل؟ ومن نقّبل؟ وكم من قبلةٍ نقبّل وايّ خدّ نبدأ به؟
ولعلّ الفرنسيين هم أكثر من يعرفُ هذا المأزق جيّدًا.  فكم مرّة هذا السؤال على أهالي منطقة وصلناها للتوّ: كم تقبّلون من قبلةٍ عندكم؟ وكم مرّة فوجئنا بذلك الزّميل الذي يقومُ بتقبيل كلّ الحضور بدلاً من الاكتفاء بعبارة ترحبّ بالجميع..

في أصول القبلة، هذا التقليد المشوّق

ولطالما أثار فعل التقبيل حيرتي. وعندما أفكرّ في الأمر الآن، أذكرُ أنيّ، في مرّات قليلة، لم أكن أقبّل لكنّي أقنعُ نفسي بأنّي فعلت. وفجأة، ينصبُّ اهتمامي على ملامسةِ بشرة الآخر، لأنّها مصدر ما ينتابك من مشاعر الطمأنينة أو المتعة أو القرف، هذا لأنّ فعل التقبيل يظلّ ببساطة أمرًا يبعثُ على الدهشة. 
فأنا أشعرُ بالدهشةِ مثلاً حينَ أعاود اكتشاف عطر والدتي، أو أتفطنّ إلى أن صديقًا لديه بشرة لزجة، وآخر اعتاد التقبيل في منطقة قريبة من الأذن..
باختصار، القبلة ليست مجرّد مسألة ثقافية، إذ أنها تجعلنا نتواصلُ مع الآخر على نحوٍ بالغ الفرادة، وأنا ههنا لا أتحدّثُ عن فعل التقبيل في حالة الحبّ. فالقبلة في أدنى المستويات العلائقية، تمنحُ معنى، وتجسيدًا، لروابط اجتماعيّة ينقصها المعنى والحرارة. وليس من الضروريّ أن يكون فعل التقبيل فعلاً أصيلاً، بيد أنّه يكشفُ في كلّ الأحوال عن مدى عمق علاقة مّا ووشائجها، كأن يكشف إن كانت مفتوحة أو صادقة أو غير متكافئة أو مصطنعة أو حتّى خرقاء.
ومن ثمّة، نرى أنّ عالمًا بلا قبلات، سيكونُ أشبه بعالمٍ يكادُ يكون غير متجسّدٍ، إذ كيف يعقلُ أنّ نتحدّث عن ماهيّات روابط مّا إن لم تكن مجسّدة؟
عالم بلا براءة

ما الذي يمكنُ أن يكون العالمُ عليه بلا قبلات؟

عندما تنهضُ من سريرك، سيكونُ عليك أن تمنع أطفالك من ملاعبتك، هم الذين لا يدركون بالضرورة سبب ذلك. سيكونُ عليك أن تلقي تحيّة الصباح على زوجك الذي ينامُ في سريرٍ تفصلهُ 1.50 مترًا عن سريرك. بالـتأكيد لن تعترضك مشكلة في وسائل النقل، فأنت لست مجبرًا على تقبيل الركاب الآخرين، هذا إن لم تتلافى المشكلة برمّتها، حين تستقلّ سيارتك الشخصية. في موقع العمل، سيفهمُ زميلك بليد الذهنِ بعد لأي أن القبلة تصرّف غير مناسب في ظلّ الأوضاع الصحية الحالية، بينما سيتعوّد أصدقاءك على تحيّتك من بعيدٍ، وهكذا دواليك. 
من جهة المبدأ، عالم بلا قبل هو عالم ممكن الحدوث. هذا لن يمنعنا البتة من الضحك ومشاركة أحدهم الحياة والتنقل والعمل والأكل. بل ثمّة أفضل من ذلك، هذا العالم يسمحُ لك باتخاذ مسافة من الأشياء والأشخاص، وهو ما يمكنك من رؤية الأمور بوضوحٍ. إنّ إلغاء القبلة من حيواتنا يحتوي على شيءٍ من التطهير، ولنقل ذلك بصراحة: ثمّة نوعٌ من "الحشريّة" أو "التطفّل" يفضحها الاتصال المباشر مع الآخرين، والملامسات الجسديّة. وهنا تكمنُ كلّ المفارقة في فعل التقبيل: فعلى الرغم من أنّ القبلة تتمتّع بسمعة لطيفة، باعتبارها فعلاً بريئًا، إلاّ أنّها تكشفُ عن سلوكيات عنيفة ووحشيّة أيضا...
أجل، قد توفرّ القبلة إمكانية الاتصال بالآخر، لكنّها تؤذي أيضا...بيد أن ذلك لا يمنعنا من طرح التساؤل التالي في هذه الحالة: كيف يمكنُ أن نلمس شخصًا مّا دون أن نلمسهُ بالفعل؟

قابليّة "الاجتماع اللا اجتماعيّة"

نظرًا لقدرة القبلة على وضع شخصين غريبين عن بعضهما في علاقةٍ لا حواجز فيها أو حماية، فإنّ تبدو في الحقيقة أبعد ما يكونُ عن تلك اللمسة الرقيقة الرّائعة، كما يذهبُ في ظننا، ومن ثمّة، فإن تخيّل عالمٍ خالٍ من القبلات يعني تخيّل عالمٍ خالٍ من الصدمات، ومن تلك اللقاءات التي قد تثيرُ اشمئزازنا أو إعجابنا، بل قد يعني ذلك تخيّل عالمٍ أكثر رقّة، وربّما أكثر من اللازم...عالم يصبحُ فيه القربُ فعلاً مهذّبا، متحضرّا، خالٍ من التفرّد، عالم لا نضطرّ فيه إلى قول لا أو نعم لكلّ من يحاول التقرّب منّا.   
في واقع الأمر، تكشفُ القبلة عن مبدأ كانط الشهير، مبدأ قابليّة "الاجتماع اللا اجتماعيّة": أي تلك الحاجة الملّحة إلى أن تجتمع بشخصٍ آخر غيرك. صحيح أنّ لدينا ميلاً إلى مقاومةِ لمس الآخر، ولكن ماذا سيكونُ عليه حالُ عالمٍ، تفقدُ الروابط الاجتماعية فيه اتساقها وتحولاتها وتعقيداتها، وتختفي منه مشاعرُ الحبّ والكره، ليحلّ محلّها هاجسُ اتخاذ المسافة المناسبة؟ هذا العالمُ سيكونُ بلا ريبٍ عالمًا تقيمُ فيه الفوضى.

هذا المقال هو للصحافية المختصة في قضايا الفلسفة، جيرالدين موسنا-سافوي (Géraldine Mosna-Savoye)، نشر على موقع إذاعة فرنسا الثقافية (France culture)  وتولى وليد أحمد الفرشيشي ترجمته ونقله إلى اللغة العربية.
 

محاور
نبض الإعلام
الكلمات المفاتيح
الحجر الصحي الفلسفة القبلة تدابير صحية مسافة اجتماعية
Share