fbpx هل يستغلّ الطبوبي مخاوف الرؤساء الثلاثة ويدفعهم إلى "لقاء المصالحة"؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل يستغلّ الطبوبي مخاوف الرؤساء الثلاثة ويدفعهم إلى "لقاء المصالحة"؟

Share

 

شهدت الأيام الأخيرة نشاطا ملحوظا لأمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، يبدو أنّه أفضى إلى عودة المياه إلى مجاريها بينه وبين رئيس الجمهورية، قيس سعيّد الذي أشارت المصادر إلى عدوله عن فكرة تنظيم حوار اقتصاديّ شبابيّ والعودة إلى مبادرة الاتحاد، باعتبارها الحاضنة الوطنيّة الوحيدة القادرة على تجميع كلّ الفرقاء السياسيين. من جهة أخرى، أثمر التقارب الأخير بين نور الدين الطبوبي ورئيس الحكومة، هشام المشيشي، عن توقيع وثيقة هي بمثابة خارطة طريق لإصلاح المؤسسات العمومية بعيدًا عن "الإملاءات الخارجية"، كما قال الطبوبي، قاصدًا بذلك صندوق النقد الدوليّ الذي كان قد تخلّى عن شرط "التفويت" في المؤسسات العمومية المتعثرّة مقابل توصّل الشركاء السياسيين والاجتماعيين في تونس إلى خطة وطنية لإصلاح هذه المؤسسات. في غضون ذلك، التقى نور الدين برئيس حركة النهضة ورئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، لقاء خصّص لمسألة الحوار الوطني، وسبل تجسير الهوّة بين الرئاسات الثلاث، في ظرفٍ اقتصادي تعيشه تونس هو الأصعب منذ نيلها استقلالها، ما اضطرّ رئاسة الحكومة مثلاً إلى برمجة رحلة عاجلة لوزير المالية والاستثمار علي الكعلي خلال هذا الشهر للولايات المتحدة الأمريكية، حيث سيكون عليه أن يقنع مسؤولي صندوق النقد الدولي بجدّية تونس وعزمها على المضيّ قدمًا في برامج الإصلاح، ومن ثمّة حثّ الصندوق على التحرّك لفائدة تونس لعلّها تسترجعُ ثقة كبر المانحين فيها.
وإذ تبدو تحرّكات أمين عام المنظمة الشغلية أكثر من مثمرة، خصوصًا في ظلّ تجاوب الرئاسات الثلاث معها، إلاّ أنّه لا تجيبُ عن السؤال الحيّ: هل تكفي "النوايا" الحسنة لإنهاء أزمة سياسية قاربت الشهرين وكادت أن تتسبب في انهيار مؤسسات الدولة؟

النوايا وحدها لا تكفي!

والحقّ أننا لا نرى داعيا من التذكير بمسلّمة سياسية معروفة، وهي أنّ النوايا وحدها لا تكفي، بل غالبا ما تكونُ الطريقُ إلى الجحيم معبّدةً بالنوايا الطيبّة. صحيحُ أنّ نشاط الطبوبي أثمر مثلاً عن عدول رئيس الجمهوريّة عن فكرة عقيمة، وهي فكرة لم يكن ليطرحها لولا تعنته المزمن ورغبته في إغلاق كلّ طرق التواصل مع خصميه السياسيين، أي رئيسي الحكومة ومجلس نواب الشعب، رافعا سقف التفاوضِ، إن كان ثمّة بالفعل ما يمكنُ التفاوض عليه معه، إلى حدّ وضع شروطٍ تعجيزية، غير أنّ العودة إلى محضنة الاتحاد لا تعني أنّ الرّئيس سلّمَ بالأمر الواقع، ذلك أنّ "الخصومة" كانت قد غادرت منذ مدّة مربّعها "السياسي" ودخلت إلى مرّبعٍ آخر هو "الشخصي"، وبهذا الخصوص، لن يعدم الرّئيسُ الفرصة لكسر أجنحة خصومه ووضع العراقيل أمامهُ، خصوصا مع توّصل نواب البرلمان إلى المصادقة على تعديل القانون عدد 50 المتعلّق بالمحكمة الدستورية وإلغاء شرط الثلثين، علاوةً على ما قيل حول ترشيح كلّ من النهضة وائتلاف الكرامة لشخصيات لا علاقة لها بالاختصاصات الدستورية وتحومُ الشبهات حول انتماءاتهم. 
وفي هذا الإطار، من المرجّح أن يرفض رئيس الجمهوريّة الإمضاء على القانون، ويعيده إلى المجلس مجدّدًا، وهذا يعني في العرف السياسي المستجدّ، خلق أزمة جديدة مع المجلس النيابي، وتحديدًا مع الحزام السياسي الداعم لهشام المشيشي.
من جهة أخرى، لا يعني قبول رئيس الجمهورية بالإشراف مجددا على الحوار الوطني أنّ وضع القطيعة مع رئيس الحكومة في طريقه إلى التغيّر، فطالما لم يعلن رئيس الجمهورية عن تغيير موقفه من مسألة التعديل الوزاريّ، وقبوله لفكرة الحوار دون قيدٍ أو شرطٍ، أي باعتبار وجود أمرٍ واقعٍ، فإنّ الأزمة ستظلّ على ما هي عليه، بمعنى أدقّ، طالما أنّ أسباب الخلاف بين الرئيسين قائمة، فإنّ القبول بفكرة الحوار لا أهميّة لهُ على أرض الواقع. وهو ما ينسحبُ كذلك على علاقة رئيس الجمهورية برئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، أو بأحزاب بعينها، كائتلاف الكرامة وقلب تونس، ذلك أن القطيعة بين هذه الأطراف اتخذت لها طابعًا شخصيّا أكثر منه سياسيّا، وهو ما يحيلنا مجدّدًا على طبيعة النوايا التي باتت تحرّك مسارات التفاوض السياسي.

حوار وطني أو حوار رئاسات ثلاث؟

ومع ذلك، تظلُّ خطوات أمين عام المنظمة الشغيلة مهمّةً للغاية، باعتبارها أوّل حصاة جدّية تلقى في بركة الأزمة السياسية الآسنة، وهو ما يشيرُ بالنهاية إلى وجود رغبةٍ مّا في اقتناص اللحظةِ وتجاوز مرحلة الشكوك. ولكي نكون دقيقين أكثر، نرى من المهمّ بمكانٍ التأكيد على توّصل الجميع تقريبًا إلى حقيقة أنّ التصلّب والتعنّت لا يمنحان حلولاً، وأنّ خطورة المرحلة ودقتها تقتضيان التفاوض أو القبول بمبدأ التفاوض على الأقلّ. ولهذا نرى أنّ خطوة الحوار الوطني يجب أن تسبقها خطوة أخرى أكثر أهميّة في تقديرنا، وهي جلوس الرئاسات الثلاث إلى طاولة حوارٍ جدّي مهما تباينت الرؤى والمواقف. فرئيس الجمهورية لا يبدو مستعدًّا على الأقل في هذا الظرف لفتح جبهة جديدة مع اتحاد الشغل ومن ثمّة تعميق عزلته السياسية المتفاقمة، لا سيّما مع أداء حزامه السياسي المهزوز. وبالمثل، يبدو مصير رئيس الحكومة معلّقا بمناورات حلفائه أو تحديدًا بمناورات حركة النهضة، وهو يعرفُ أكثر من غيره أن أيّ صفقة سياسية مجزية تتحصّل عليها النهضة ستعجّلُ برحيله وهو ما حتّم تقاربهُ مع المنظمة الشغيلة. ولا يبدو وضع رئيس مجلس النواب أفضل من نظيريه، فهو مهدّدٌ للمرة الثانية بعريضة سحب الثقة، وأداءه البرلماني بات موضع تساؤلات جديّة، فضلاً عن تحوّل الرياح الإقليمية والدولية في غير صالح سفينتهِ، هذا علاوةً عن تزايد الدعوات للتدقيق في ثروته الشخصية وأموال حزبه، وكلّها مطبات حقيقية ضيّقت الخناق عليه. ولعلّ هذه الوضعيّة تحديدًا هي ما مثّل سانحة أمام أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل لكي يجبر الرؤساء الثلاث على الانصات لصوت العقل وتجاوزِ كلّ الخلافات الشخصية من أجل التوصّل إلى حلٍّ جذريّ لأزمة البلاد. على أنّ الاستثمار في مخاوف الرؤساء الثلاث قد يكون بلا جدوى إن لم يقع دفعهم إلى الجلوس إلى طاولة حوارٍ واحدة، تكونُ الأرضية الاستراتيجية التي سيتأسس عليها الحوارُ الوطني والمدخل الرّئيس لوضع كلّ الملفات الشائكة على طاولة النقاش. 
في هذه الحالة فقط، سيكونُ بوسعنا أن نعرب عن تفاؤلنا بإمكانية التوصّل إلى اتفاق لا ينهي الأزمة السياسية في البلاد فحسب، وإنّما يساهمُ في وضع خارطة طريق واقعية وبراغماتية تمكن الدولة من معالجة ملفاتها الاقتصادية والاجتماعية بعيدًا عن مربعات التوتر العالي !
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
اتحاد الشغل نور الدين الطبوبي قيس سعيّد هشام المشيشي راشد الغنوشي الحوار الوطني
Share