fbpx هل يفعلها قيس سعيّد ويفعلّ فصل "الخطر الداهم" في الدستور؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل يفعلها قيس سعيّد ويفعلّ فصل "الخطر الداهم" في الدستور؟

Share

 
"رئاسة الدولة ليس بالكرسي الشاغر"، "سأعمل بكل ما أوتيت من قوة على فرض احترام القانون على الجميع دون استثناء"، "الوسائل القانونية المتاحة في الدستور موجودة لديّ اليوم، بل هي كالصواريخ على منصات إطلاقها، ولكن لا أريد اللجوء إليها في هذا الظرف بالذات، ولكن لن أترك الدولة التونسية بهذا الشكل"...
هكذا اختار قيس سعيّد، رئيس الجمهورية التونسية، قيادة معركة ردّ الاعتبار لمؤّسسات الدولة، بعد ما أصاب عقل الدولة من شلل تنفيذي وتشريعيّ، بسبب استقالة حكومة إلياس الفخفاخ، وعطالة مجلس نوّاب الشعب. 
وهذه المعركة لن تنتهي بحلّ البرلمان كما قد يتصوّر البعض، فالرّئيس يتحوّز على صاروخ باليستيّ له اسم وحيد هو الفصل 80 من الدستور، وهذا الفصل يعلن بوضوح أنّ "لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب"، ما يعني تعليق العمل بالدستور وتعطيل كلّ المؤسسات، وإدارة الدولة بقبضة من حديد، مستعينا في ذلك بمؤسستي الأمن والجيش التونسيين. وبلغة أوضح، نقول إنّ أمام الرّئيس خيار آخر يغفل عنه خصومه وهو ردّ كلّ السلطات إليه إلى حين انتهاء الأزمة.
كرسي الرئاسة ليس شاغرًا
ولقد سبق لنا أن أشرنا في أكثر من موضع أنّ رئيس الجمهورية يعدّ الضامن الوحيد لأمن البلاد ووحدة التونسيين، ومن موقعه هذا كان على الرّئيس أن يتدخّل. 
وللتذكير فقط، التزم رئيس الجمهورية، خلال الأزمة الأخيرة، بروح الدستور نفسه، إذ قام بمكاتبة الائتلافات والكتل البرلمانية مثلما يقتضيه الفصل 89 من الدستور التونسي، من أجل التشاور وتكليف رئيس حكومة جديد في غضون الشهر، ومع ذلك، يعلم الرئيس قبل غيره أن وضع الأزمة الشاملة في تونس، قد يعيد البلاد مجدّدًا إلى مربّع الفوضى، خصوصا مع مجلس نيابيّ منقسم على نفسه، استحال العمل فيه بين مختلف مكوّناته، بل وصار التعايش بين النواب أنفسهم غير ممكن، بعد أن بلغ الاحتقان السياسيّ حدًّا غير مقبول. وأمام وضعيّة كهذه، ليس أمام الرّئيس، نظريا، سوى خيارين لا ثالث لهما:
أوّلا، حلّ البرلمان، خصوصا أنّ الرئيس قال في تصريحٍ له إنّه لن يترك البرلمان يعيش حالة من الفوضى وقد يستخدم حقوقه الدستورية، بيد أن تفعيل هذا الفصل يقيّد تحرّك الرّئيس ويعيد المبادرة للمجلس النيابي الذي يحمل في داخله عناوين فشل منظومة كاملة، وقد يهدّد بصعود أنواع جديدة من الفاشيّة السياسية، ما يهدّد بانحراف البلاد إلى مرّبع الاقتتال الأهليّ.
ثانيا، تفعيل الفصل 80 من الدستور أي فصل “الخطر الّداهم"، وهذا الفصل يخوّل لرئيس الجمهورية التّدخل في مجال المشرّع وفي اختصاصات رئيس الحكومة، واتخاذ جميع التدابير مهما كانت طبيعتها، أي بعبارة أخرى يتيح هذا الفصل للرئيس تعليق العمل بمبدأ الفصل بين السلطات، ويضع كلّ السلطات بين يديه. وفي اعتقادنا هذا هو التأويل الممكن والوحيد لتصريح رئيس الجمهوريّة الذي جاء فيه: " الوسائل القانونية المتاحة في الدستور موجودة لديّ اليوم، بل هي كالصواريخ على منصات إطلاقها، ولكن لا أريد اللجوء إليها في هذا الظرف بالذات، ولكن لن أترك الدولة التونسية بهذا الشكل ".
سلطة تقديريّة
إنّ ما يعززُّ فرضيّة استخدام رئيس الجمهوريّة لفصل "الخطر الداهم" هو غياب المحكمة الدستوريّة واستقالة الحكومة ناهيك عن تواضع أداء رئيس مجلس نواب الشعب الذي بات عاجزًا عن فرض الانضباط تحب قبّة قصر باردو، علاوة على أنه هو الآخر بات هدفا للائحة لوم، أمضت عليها أغلب الكتل المؤثّرة، تطالبه بالاستقالة من موقعه.
والمعلوم أنّ حلّ البرلمان والذهاب إلى انتخابات تشريعيّة مبكرة قد يكون أمرًا غير ذي جدوى، لأنّ الانتخابات نفسها قد تعيد انتاج مشهد أكثر سوءًا وخطرًا على البلاد، ومن ثمّة يبقى الفصل 80، فصل المحظور الذي تبيحه الضرورة، خصوصا أنّ الوضع الحالي للبلاد هو وضع خطر داهم بالفعل مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
ولنعد إلى تصريحات الرئيس الأخيرة، إذ قال يوم أمس إن "القوات الخاصة العسكرية مستعدة للتصدي بالقوة لكل من يفكر في التعدي على الدولة أو الشرعية، سواء من الداخل أو الخارج"، وهو تصريح يبدو منسجما مع ما سبق للرئيس أن ذكره بخصوص وجود أطراف تسعى إلى تفجير الدولة من الداخل. وفي الواقع، نفهم الآن أنّ كلّ ما ذكره ما هو إلاّ تمهيد لتهيئة الشعب لفكرة القبولُ بتفعيل الفصل 80 من الدستور. خصوصا أنّه يعلمُ أنّ تنقيح النظامين الانتخابي والسياسي لن يوافق عليه البرلمانُ بتركيبتهِ الحاليّة، ومن ثمّة فإن التجاءه إلى هذا الفصل تحديدًا يمنحه هامش تحرّك واسعٍ لترتيب الوضعين الداخلي والخارجيّ للبلاد. 
وإذ كنا لا نعلم يقينا نوايا الرّئيس، ومدى جدّيته في تفعيل الفصل 80 من عدمه، فإنّ ما نعرفه على وجه الدقة أنّ هذا الفصل هو بمثابة سيف مسلط على رقاب القوى السياسيةـ قد يدفعها دفعا إلى مراجعة حساباتها أثناء مشاورات تشكيل الحكومة الثانية، ومنحها الثقة في ما بعد في مجلس نواب الشعب، فإن هي لم تفئ إلى رشدها، تعود الكلمة الفصل إلى الرّئيس، وهو ما يعني بداهة ردّ السلطات الثلاث إليهِ.
ما يتبقى هو التالي، هو كيف نعرّفُ الخطر الداهم؟ وما هي حدوده ووسائل القضاء عليه؟ ففي غياب المحكمة الدستورية (التي عطلت النهضة تشكيلها) حلّت محلها السلطة التقديرية للرّئيس، الذي بدأ في تهيئة المزاج العام لتقّبل الفصل 80 وهيّأ المؤسستين الأمنية والعسكرية كجهتي إسنادٍ ضروريتين لذلك.
فهل يفعلها؟

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
الخطر الداهم الفصل 80 رئيس الجمهورية قيس سعيد الدستور
Share