fbpx هل يقلب قلب تونس طاولة البرلمان على راشد الغنوشي؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل يقلب قلب تونس طاولة البرلمان على راشد الغنوشي؟

Share

 
يعقد مجلس نواب الشعب التونسي يوم غد الخميس، جلسة عامّة، لعرض لائحة سحب الثقة من رئيسه، راشد الغنوشي، التي طُرحت من قبل 4 كتل نيابية. ولن يكون الأمر مفاجئا إن نحن أشرنا إلى أنّ النتيجة لن تخرج عن أحد احتمالين، أوّلهما تمرير لائحة سحب الثقة من الغنوشي وتنحيته عن رئاسة البرلمان. وههنا تنطلق سميرة الشواشي، نائبة رئيس المجلس الأولى، والنائبة في البرلمان عن حزب قلب تونس، بأوفر الحظوظ لخلافة راشد الغنوشي. أمّا الاحتمال الثاني، فيتمثّل في إسقاط اللائحة، وبقاء الغنوشي في منصبه للمدّة النيابية المتبقّية (2020 - 2024)، وتتحوّل بذلك جلسة سحب الثقة منه إلى جلسة إعادة تزكية وتجديد للثقة به.
بيد أنّ المسار لن ينتهي بالسّهولة التي نعتقدها، فقبل أيّام قليلة فقط، كانت النهضة تمتلك أوراق ضغط عديدة، وحلفاء قادرين على إجهاض مخططات المطالبين برأس الغنوشي، حلفاء هم الأكثر حضور عدديا كقلب تونس وائتلاف الكرامة والمستقبل، غير أنّ خطوة رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، باختياره هشام المشيشي، وتكليفه بتشكيل الحكومة، أربك حسابات النهضة تماما، وأفقدها كلّ أوراقها تقريبا بعد فصل مسار التشكيل الحكومي عن مسار سحب الثقة، ومن ثمّة بات احتمال سحب الثقة من الغنوشي الأقرب إلى الواقع.

 تفاؤل واتهامات

وهذا التغيّر الدرامي في مجريات الأمور هو ما يفسّر بالنهاية انقلاب تصريحات قيادات النهضة مائة وثمانين درجة، فقبل أيّام قليلة فقط، صرّح نور الدين العرباوي، نائب النهضة في البرلمان، لوكالة الأناضول التركيّة قائلاً إنّ تقديم لائحة سحب الثقة من الغنوشي هي "عملية استعراضية ليس لها أي أفق ولن تمر"، واستبعد أن "تحصّل اللائحة المعروضة أغلبية 109 أصوات في الجلسة العامة"، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ العبرة "ليس بتجميع 73 توقيعا لإيداع اللائحة بمكتب البرلمان، بل بتحصيل 109 أصوات يوم الجلسة العامة لتمرير اللائحة".
تفاؤل العرباوي استند في الوقع على معطيين، أولهما تلازم مساريْ اختيار رئيس الحكومة المكلّف ولائحة سحب الثقة، ما يمكّن النهضة من هامش مناورة أكبر ويضمن ولاء كتلتين على الأقل هما قلب تونس (27) والمستقبل (9)، باعتبار أن أصوات ائتلاف الكرامة (19) مضمونة بالفعل، علاوة على استدراج الموقعين على عريضة سحب الثقة إلى مربّعها هي، وتحقيق اختراق داخل معسكرهم، وفق سياسة العصا والجزرة. 
أمّا المعطى الثاني فهو النقص العددي الذي يعاني منه المعسكر الخصم إضافة إلى الخلافات داخله. فالكتل التي أعلنت أنها ستصوّت على سحب الثقة هي نفسها الموقّعة على اللائحة، وهي: الديمقراطية (38 مقعدا)، وتحيا تونس (10 مقاعد)، والإصلاح (16 مقعدا)، وجزء من الكتلة الوطنية (11 مقعدا)، وهذه الكتل مجتمعة توفّر 75 صوتا. وباحتساب نواب "الدستوري الحر" يرتفع عدد النواب الذين من المنتظر أن يصوّتوا على سحب الثقة إلى 91، ويبقى العدد دون أغلبية 109.
ولعلّ هذا ما يفسّر أيضا تفاؤل راشد الغنوشي الذي قال في تصريح إعلاميّ مؤخّرًا إنّه "واثق من أنها (الجلسة) ستكون لحظة لتجديد الثقة بي رئيسا للبرلمان وإعادة تزكيتي".
غير أن تكليف المشيشي من طرف رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي فصل المسارين عن بعضهما، وحوّل هذا التفاؤل إلى ارتباكٍ، جسدته تصريحات رئيس الكتلة البرلمانية لحركة النهضة، نور الدين البحيري، الذي اتهم قوى خارجية، هي "الإمارات ومصر"، بمحاولة الانقلاب على "الدولة التونسية المنتخبة"، حتى بلغ به الأمر إلى اتهام دولة الإمارات بتوزيع مبالغ فلكيّة على النواب لكي يسحبوا الثقة من الغنوشي، ونعتقد أن اتهاما "عبثيا" كهذا يعدُّ مؤشّرًا دالاًّ على انقلاب الأدوار.

 انقلاب في المواقف  

ويبدو أنّ الشعور الطاغي بوقوع "الأسوأ" وسحب الثقة من رئيس البرلمان، هو ما دفع كتلة ائتلاف الكرامة إلى الانسحاب تماما من جلسة سحب الثقة ، ليفقد راشد الغنوشي حليفه الرئيسي في جلسة التصويت، ثمّ تبعتهُ كتلة المستقبل التي غيّرت موقعها وأعربت عن مساندتها للائحة سحب الثقة، ومن ثمّة عادت الكلمة الأخيرة إلى قلب تونس.
لقد بات واضحا أنّ كتل الديمقراطية والوطنية وكتل الإصلاح والمستقبل وتحيا تونس والدستوري الحر ستصوت مع سحب الثقة، ولم يبق أمام حركة النهضة سوى حليف افتراضيّ واحد هو "قلب تونس"، حليف لطالما دافعت عنه ودفعت به حتّى بلغ بها الأمر حدّ محاولة إسقاط حكومة الفخفاخ من أجله، بل واعتماد مرشّحيه، خيام التركي والفاضل عبد الكافي، خلال مشاورات اختيار الشخصية الأقدر لخلافة الفخفاخ.
وبما أننا لم نعهد الوفاء شيمةً لدى السياسيين أو الأحزاب، نرى أنّ قلب تونس قد ينهي آمال حركة النهضة في الإبقاء على شيخها في رئاسة المجلس لجملة من الأسباب:
أوّلا، قلب تونس هو بالنهاية حزب براغماتي، مع جينات انتهازّية واضحة، قد تدفع به إلى الاصطفاف مع خصومه التقليديين، كي لا تتعمّق عزلته أكثر فأكثر. علاوة على ذلك، لن يفرط قلب تونس في إمكانية ترأسه لمجلس نواب الشعب، ونيل إحدى السلطات الثلاث، خصوصا وأغلب الكتل لم تبد اعتراضها على عودة رئاسة المجلس إلى سميرة الشواشي، النائبة الأولى للغنوشي، وهذا معطى يعني الكثير بالنسبة إلى قلب تونس، الذي تعرّض للتهميش جراء مواقفه المتقلّبة، رغم حلوله ثانيا في الانتخابات التشريعية الماضية.
ثانيا، قلب تونس كغيره من الأحزاب الحداثيّة، يعلم من خلال التجارب المقارنة أنّ التحالف مع حركة النهضة يعني الاضمحلال آليا كما حدث مع المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل ونداء تونس، ومن ثمّة، يبدو لنا من المستبعد أن يغامر بالمواصلة في تجربته الحالية مع النهضة وقد أتته الفرصة للعودة مجدّدًا إلى صدارة المشهد.
ثالثا، فصل مساري تكليف هشام المشيشي ولائحة سحب الثقة، عزّز من حظوظ قلب تونس للدخول تحت سقف رئيس الجمهورية، مقابل الحصول على موقع حكوميّ، في صورة ما إذا اختار المشيشي حكومة حزبيّة، أو الحصول على موقع المفاوض المتقدّم إذا ما قرّر رئيس الحكومة المكلّف اختيار كفاءات مستقلّة. وفي الحالتين، لن يكون قلب تونس مجبرًا للخضوع مجدّدًا لرحمة حركة النهضة ومناوراتها، إن هو أراد الإبقاء على موقعه السياسي.
رابعا، بمنطق الربح والخسارة، يعدّ فض الارتباط مع النهضة، فرصة لنبيل القروي، رئيس قلب تونس، للتخلّص من حليف صار يمثّل بالنسبة إليه عبئا داخليا وخارجيا، خصوصا وأنّ عودة رئاسة مجلس النواب إليه، تعد مكسبا هاما وردّ اعتبار لحزب حلّ ثانيا في الانتخابات التشريعية ويحتاج إلى مساحات متقدّمة داخل المشهد يعزز بها موقعه السياسي.
خامسا وأخيرًا، يشكّل التخلّص من النهضة، فرصة لقلب تونس، كي يفرمل نزيفه الداخليّ، ويسترجع كلّ ما خسره من رصيد ذهب إلى الدستوريّ الحرّ وغيره من الأحزاب المنتمية إلى الدائرة الحداثية، وهو ما نعدّه أيضا معطى محدّد لقرار قلب تونس.
إنّ الصورة كما نبسطها الآن تعزز فرضيّة نهاية أيام الغنوشي على رأس مجلس نواب الشعب، وحشر حركة النهضة في المعارضة للمرّة الأولى منذ عشر سنوات، بيد أنّ كلّ شيء يظل ممكنا ومن ثمّة، سيكون علينا انتظار يوم الغد، الخميس، لمعرفة مصير راشد الغنوشي، وحركته من بعده.
 

محاور
سياسية
الكلمات المفاتيح
سحب الثقة قلب تونس نبيل القروي هشام المشيشي البرلمان راشد الغنوشي
Share