fbpx هل قضى خفّاش على العولمة ؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل قضى خفّاش على العولمة ؟

Share

 

من النظريات الأكثر تداولا أنّ فيروس كورونا في الشكل الذي انتشر في الصين، هو نتاج طفرة جينيّة من فيروس يستهدف الخُفاش إلى آخر يهاجم البشر، ليتسبّب ليس فقط في ما نراه من عدد المصابين والموتى وكذلك من حالفهم الحظّ بالنجاة، بل بما لا يقلّ أهميّة، أيّ ما نرى مرأى العين من أزمة اقتصاديّة عميقة مسّت قطاعات استراتيجيّة مثل النفط والنقل الجويّ والسياحة بمختلف خدماتها، دون اعتبار حال الركود وانخفاض الإنتاج وتراجع المبادلات التجاريّة عبر العالم.

جاءت كورونا، سواء صدّقنا أنّها من ظهر خفّاش، لتشكّل أحد أهمّ التحوّلات في العصر الحديث، خصوصًا سهولة ومن ثمّة حريّة انتقال المال والسلع والخدمات والبشر، فئات معيّنة وفي اتجاهات بعينها.

أحد العوامل التي ليس فقط أدّت إلى انتشار فيروس كورونا بل ارتفاع عدد الإصابة، تكمن في سهولة انتقال البشر ضمن الفضاء الغربي في ارتباط مع فضاءات أخرى، ومن ثمّة يمكن الجزم، وظيفيا وعلى مستوى آليات الفعل، أنّ العولمة شكّلت ولا تزال الراعي الأوّل والأبرز لهذا الوباء.

قبل فيروس كورونا، شهد العالم صراعًا مفتوحًا بين أنصار عولمة دون حدود، بمعنى أنّ لا عائق ولا مانع ولا حدود، أمام انتقال المال والسلع والخدمات والبشر، مقابل من يرون في الدولة القطرية، أخر قلاع الهويّة والضامن الأفضل إن لم يكن الأوحد لما هو الوجود البشري على الأرض في أشكاله المميزة بين الشعوب على المستوى المادي وكذلك الحضاري.

فيروس كورونا جعل من العولمة مطيّة له، بل سهّل وسرّع من مجيء أزمة اقتصاديّة، طالما حذّر منها الخبراء ومن هم على دراية بوصول النمط الاقتصادي العالمي إلى طريق مسدود، سواء على مستوى الاحتكار المتزايد للثروة بين عدد يتناقص باستمرار، أو كذلك وصول الدولة القُطريّة في عديد الحالات أو أغلبها إلى طريق مسدود، على مستوى التعريف والوظيفة ومن ثمّة الشرعيّة وعلى أساس ذلك طبيعة النظام الحاكم.

في تونس، عندما نتّخذها مثالا، لا تزال جميع الحكومات منذ 14 جانفي 2011 إلى يوم الناس هذا تنادي بأعلى صوت وتدافع بالجهد الذي تملك عن وجوب ليس فقط التعامل مع صندوق النقد الدولي، بل أنّ لا مناص من طاعته، ومن ثمّة لم تعد الأسئلة تهمّ «مبدأ التعامل» ذاته، بل (وهنا الخطر)، التحكّم في سرعة الانزلاق، للجمع بين هذا الانضواء من جهة، وما هو ضروري من توازنات اجتماعيّة يعلم الجميع أنّ شديدة الهشاشة.

الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي لا يمكن بأيّ حال وضعه في خانة «الاشتراكيين» أو ممّن يؤمنون بما كان يسمّى «اقتصاد الدولة»، حيث شرعت حكومته قبل أيّام من اندلاع وباء كورونا في التفويت في الشركة المسيّرة لمطار باريس إلى القطاع الخاص، تليها شركات أخرى. هذا الرئيس المحسوب على «لوبي البنوك» أعلن بصريح الحرف وبدون لبس وبما لا يدع للشكّ أن «السدّ الأوّل» بل والأهمّ أمام فيروس كورونا، ومن ثمّة ما قد يلي من سيناريوهات مماثلة، يتمثّل في قطاع الصحّة العمومي... والحال أنّ نظام هذا الرئيس كان إلى ساعات قبل اندلاع أزمة كورونا بصدد العمل على ممارسة أقصى درجات «التقشّف» على حساب قطاع الصحّة العمومي، وبقية القطاعات، ممّا جعل الإطار الطبّي وشبه الطبّي، يصرّح بل يصيح ويصرخ، عبر النقابات ومن خلال وسائل الإعلام وكذلك المسيرات ضمن تحرّكات «السترات الصفر» أنّ ما تقوم به حكومة (يتحمّل مسؤوليتها الرئيس الحالي) ينزع عن هذه المستشفيات الوسائل الضروريّة بل اللازمة لتوفير الحدّ الأدنى وليس المطلوب من الخدمات الصحيّة، حين تمّ التخفيض في عدد الأطباء والطاقم شبه الصحّي في جميع المستشفيات، وكذلك التخفيض في مستوى الاعتمادات المخصّصة للتجهيزات أو التسيير.

إعتراف إيمانويل ماكرون يمثّل الهدف الذهبي في شباك أنصار عولمة دون حدود، تأتي فيها الدول والأنظمة، مجرّد ضامن للتعاقدات القائمة بين الأفراد والمؤسّسات، دون التكفّل بأيّ خدمة.

ما ثبت إلى حدّ الساعة ممّا نراه من صراع بين البشر وفيروس كورونا، أنّ القطاع الخاص، المتدثّر بالعولمة، بل ولسانها الأعلى صوتًا، عاجز أو هو غير مؤهل بمفرده، لا على مستوى قيادة الحرب على هذا الفيروس أو تأمين الوسائل الضامنة للنصر.

من الصين إلى الولايات المتّحدة، تدخّلت «الدولة» رغم التناقض الكبير والتضارب الأكبر، في تعريف ماهيّة «الدولة» ووظيفتها ووخاصّة حدود تدخّلها بين الدولتين الأعظم والأهمّ على مستوى الكرة الأرضيّة.

في الصين، استعادت القيادة كما استعاد الشعب، قواعد الانضباط والامتثال والطاعة، وكذلك التضحية، التي أسّس لها أباطرة منذ عشرات القرون وليست وليدة النظام الشيوعي، الذي اكتفى بتعميقها والعمل على تأصيلها. في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، جاء القرار الأهمّ بوجوب «الانعزال» عن أهمّ شريك للولايات المتّحدة في مجال العولمة، فلسفيا وفكريا، رغم بعض التباينات، أيّ أوروبا، مع الاحتفاظ بخطّ مع المملكة المتّحدة، يحمل بعدًا رمزيا أكثر منه طبّي.

من المقاطعات الصينيّة التي عرفت أعلى نسبة من الإصابات، إلى المناطق التي لم تعرف بعد هذا الفيروس، غريزة البقاء لدى الأولى، وغريزة الخوف والتوقّي لدى الثانية، تجعل من الانتماء «المحلّي» أيّ إلى ما هي «الدولة» في شكلها المركزي، بحدود ثابتة وسلطة مركزيّة ذات نفوذ فاعل، الجدار الأوّل وخطّ الدفاع الأهمّ ولم يعد من مكان لما تمّ الترويج له، بل التنظير له، كتابات الفيلسوف الفرنسي جاك أتالي أنموذجًا، من عالم يفتح الجميع على الجميع.

في خطاب إيمانويل ماكرون جاء الحديث عن «هويّة أوروبيّة» دون التطرّق إلى دوائر الانتماء الأوسع، وأهمّها البشريّة التي جاءت الإشارة إليها في بعض كلمات عابرة، ممّا يعني أنّ «غريزة البقاء» قد تدفع إلى تفعيل التجمّعات الاقليميّة فقط، دون العود إلى «خطاب عولمة دون حواجز»..

محاور
شكشوكة محرحرة
الكلمات المفاتيح
الصين فيروس كورونا الخُفاش أزمة اقتصاديّة العولمة
Share