fbpx هل يعلن المثقفون الحرب على الكورونا؟ | Chakchouka Times تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

شكشوكة تايمز جريدة إلكترونية مستقلة شاملة

هل يعلن المثقفون الحرب على الكورونا؟

Share

 

لم يمرّ إعلانُ وزارة الشؤون الثقافيّة عن إلغاء كلّ الأنشطة الثقافيّة في تونس دون أن يثير سخط بعض الأوساط الثقافيّة، إذ رأت في القرار ضربًا للعمل الثقافيّ بل واستهدافًا للإبداع، مهوّنة في الوقت نفسه، من تداعيات جائحة الكورونا "كوفيد-19". وفي الواقع، انقسم الرأي العام الثقافي بين رأيين، رأي أقلّي رحّب بالقرارات الحكوميّة الأخيرة مقدّما المصلحة الجمعيّة على مصالح الأفراد، وآخر أغلبيّ، رأى فيها إجراءات تعسّفية سيدفعُ "المثقّفُ" وحدهُ تبعاتها.

وللأمانة، يعيدُ هذا الإنقسام مفهومي "المثقّف السلبيّ" أو "المثقّف النفعيّ" إلى الواجهة، لارتباطهما الشديد بوضعيّة الأزمات، وهي وضعيّة تثّبتُ خيارات بعينها، تختلفُ مستويات تعامل "النخب الثقافيّة" معها، بالقدر الذي تفرضهُ مصالحها. وبهذا الخصوص، لن نعدم وجود سلوكيّات نفعيّة ترى في الفعل الثقافي مصدرًا للاسترزاق حتّى وإن كان المجتمعُ نفسه، هذا المجتمع الذي يتوّجه إليه الخطاب الثقافي، واقعًا تحت تهديد خطرٍ يستهدُف حياة أبنائه وأسلوب حياتهم

صحيحٌ أنّ تعليق الأنشطة الثقافيّة في هذا التوقيت بالذّات ، له تداعيات وخيمة على أكثر من فاعل ثقافيّ، خصوصًا مع تعليق المعارض والمهرجانات وغيرها من المناشط الثقافية، وصحيحٌ أيضا أنّ جائحة الكورونا أفرغت السّاحة تقريبًا من فاعليها، تربويا وثقافيا ورياضيا وحتّى دينيا، لكنّ الأصحّ أن نقول أيضًا أنّ أزمات كهذهِ، تستدعي من المثقف القيام بدور طلائعيّ حتى وإن استهدفتهُ تداعياتها.

وليس من باب المغالاة في شيء إن قلنا أنّ العلاقة بين المثقف والأزمات هي المحدّدُ الأوّل في تصنيفه، فإمّا أن يكونَ فاعلاً وطلائعيّا، يضعُ خبرته على ذمّة المجموعة ومن ثمّة يتحوّلُ إلى رأس حربة، وإمّا أن يكون سلبيّا، ينظرُ إلى الأزمة من برجه العاجّي أو من أنفاق نفعيّتهِ، تاركا للبقية مهمّة التحرّك نيابةً عنه

وفي تونس، تقعُ المسألة ضمن منطقة رماديّة، لأنّها وثيقة الارتباط بأزمة الثقافة نفسها في تونس، أزمة كرّستها "الدولة الرّاعية" منذ الاستقلال، نازعةً عن المثقّف صفتين مهمّتين، كما نراهما، وهما الاستقلاليّة والمبادرة

فطوال عقود طويلة، كانت وزارة الثقافة، وما تزال، الرّاعي الرسمي لكلّ الأنشطة، رغم تواضع ميزانيّتها، وتخصيص 80 بالمائة منها كأجور، فيما تذهب العشرون بالمائة المتبقيّة إلى تمويل الأنشطة الثقافيّة. ومن هناك خلقت هذه العقيدة أجيالاً واقعة تحت سلطة "التمويل"، ومن ثمّة حوّلتها إلى "نخب نفعيّة"، ترى في الفعل الثقافيّ فرصة للاسترزاق والتمكين الثقافي، تشتغلُ ضمن منطق لوبيّات آخر اهتمامها الفعل نفسه.

ولعلّ الأزمة الأخيرة، عرّت هذا السلوك النفعيّ، وكشفت عن تراجع دور بعض المثقفين وخصوصًا تخليهم عن مهامهم الطلائعيّة، كقادة رأي يتوجّهُون بخطابهِم إلى الرأي العام بعيدًا عن "هدايا" السلطة، وعن محاولات تدجينهم.

 ولذا، فإن تخلّي بعض النخب عن مهامّها، وما التعبير عن سخطها من إلغاء الأنشطة الثقافيّة إلاّ مثال بسيط عن ذلك، يضعنا اليوم أمام "مسؤولية المثقف"، وهي مسؤولية مجتمعيّة بالأساس، خصوصًا في مناخ أزمة طارئة، تستوجبُ توحيد كلّ الجهود لمجابهتها.

وإذ كان الصراعُ بين السلطة والمثقف الطلائعيّ، يعدُّ صراعا تقليديّا بل وتاريخيّا، لا يمكنُ بأيّة حال إخمادهُ أو إنهاؤهُ، فإنّ الصراع بين الأزمة الطارئة والمثّقف، يعدُّ امتحانًا صعبًا، لا يمكن أن يؤدّي إلا لنتيجتين: الأولى، وضع المثقف لكلّ أسلحتهِ في خدمة المجموعة، أو النأي بنفسهِ تمامًا عن المعركة، ومن ثمّة يجدُ المثقف نفسهُ في خدمة الأزمة، حين يترك مهمته الرئيسية، أي الانتصار للمجموعة ووضع نفسه في خدمتها، وينخرطُ في فعل الأزمة ذاتها، واستدامتها.

 ما هو مطلوب اليوم من مثقّفي تونس، ومن كل طاقات البلاد الفكرية والإبداعية، هو استعادة مواقعهم الأمامية، توعية وتوجيها للرأي العام، لأنّ الجائحة لن تستثني أحدًا من ارتداداتها وتداعياتها. وإلغاء الأنشطة الثقافية لا يعدُّ بأية حال ضربًا للفعل الثقافي، لأنّ أوجه الفعل نفسها لها أشكالٌ أخرى في أوقات الأزمات، خصوصًا أنّ هذه الأوقات تستدعي من قادة الرأي خوض المواجهة بالوسائل المتاحة أمامها. وإذا كان المثقف النفعي أو السلبيّ أو القزمّي أو سمّه ما شئت، نتاجًا لأزمنة الكوارث، فإنّ المثقف الإيجابيّ، يظلُّ صمام أمان لكيلا تضرب أزمنة "اللا قيمة" بنية المجتمع الفكريّة، ذلك أنّ الحروب لا تكسبُ بالأسلحة المتاحة، وإنّما بالعقول والأفكار التي تحوّلُ الأزمات إلى مصيدة لكلّ السلوكيات النكوصيّة والنفعيّة. أفليست الكورونا بالنّهاية حربًا ينبغي على الجميع كسبها؟

محاور
تقديرموقف
الكلمات المفاتيح
كورونا الثقافة فيروس كورونا وزارة الشؤون الثقافية تونس
Share