الدستور

  • هل تحتاج تونس إلى «الديمقراطية» أم إلى «مستبد عادل»؟ HeLEINCa خميس, 07/29/2021 - 23:04 قيس سعيّد راشد الغنوشي

     

    وفق المرجعيات المعتمدة في العلوم السياسيّة وعلى مستوى الآليات المعتمدة، ما يجري في تونس هي ديمقراطية صرفة : أحزاب تشارك في الانتخابات وتنال نصيبًا من السلطة التشريعيّة. تشارك في تكوين حكومات، يدعمها البعض وتعارضها أخرى. حكومات تتشكّل حين تنال التزكية وتسقط حين تفقد ثقة مجلس نوّاب الشعب.

    ديمقراطيّة السوء؟

    لكن هذه الديمقراطيّة المثاليّة على مستوى الشكل، ورغم تميّز الأحزاب البرلمانية في استغلال كلّ الثغرات على مستوى الدستور، فإنّ العمق الشعبي أصابه قرف متزايد من شيئين:
    أوّلا، الصورة : لم يقدّم نوّاب مجلس نوّاب الشعب، ما هو مطلوب، من أداء يطمئن التونسيين، ويجعلهم يعتقدون يقينًا أنّ السلطة التشريعيّة تلبّي وتليق بالآمال التي علّقها الشعب إبان الثورة، حين غلبت صورة الخصام والعراك، أحيانًا من أجل تفاصيل بل أمور شكليّة عديمة الأهميّة، بل وصل الأمر حدّ تبادل العنف الجسدي.
    ثانيا، الأداء : الجميع اعتقد إن لم نقل كان يحلم بأنّ تستطيع سلطة ما بعد 14 جانفي 2011، ليس فقط تفادي أخطاء النظام السابق، بل التأسيس لدولة يطمئن الناس فيها على وجودهم، وكذلك تتأسّس دولة الجميع، دولة المؤسسات وحقوق الإنسان، وخاصّة دون أن ننسى دولة العدالة الاجتماعيّة الضامنة لحدّ أدنى من الرعاية خاصّة لذوي الدخل المحدود. ما جدّ منذ 14 جانفي 2011 ليلا إلى يوم الناس هذا، على مستوى الإنجاز الاقتصادي ليس فقط لا يرقى إلى مستوى هذه الأحلام وهذه المطالب، بل تراجعت المؤشرات الاقتصاديّة، أساسًا ارتفاع مؤشّر البطالة وتراجع القدرة الشرائيّة، ممّا رفع من نسبة الفقر، ومن ثمّة ارتفع منسوب التوتّر الاجتماعي، دون إغفال الأداء غير المرضي على مستوى مجابهة جائحة كورونا.
    الصورة التي أصبحت راسخة عن الديمقراطيّة، صارت ليس فقط أقرب إلى السلبيّة، بل أصبح عدد متزايد من التونسيين يعبّر جهرًا عن كفره بهذه الديمقراطيّة التي أنتجت برلمانا لم يقدّم، سواء على مستوى الصورة أو الأداء، الحدّ الأدنى المطلوب، وكذلك وهنا الخطورة أنتج حكومة لم تتقدّم قيد أنملة ولم تقدّم على المستوى الفعلي والفاعل، ما يجعل القدرة الشرائية تتراجع وما يجعل نسبة البطالة ترتفع.

    حصانة أم عصمة؟

    هنا يطرح سؤال ذاته بإلحاح، تراوحًا بين المستوى الفلسفي الذي يهمّ المفكرين، مرورًا بالطبقة السياسيّة الماسكة للسلطة أو الدائرة في رحاها، وحتّى المعارضات بشتّى أشكالها، وصولا إلى العمق الشعبي الذي يعبّر عن آرائه، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في المقاهي والفضاءات الخاصّة :
    هل تملك ديمقراطيّة فاشلة سواء على مستوى الصورة أو الأداء، سواء السلطة التشريعيّة أو الحكومة القائمة «عصمة» أو نوع من «الحصانة» ما يحميها من رافضيها، لمجرّد أنها ديمقراطيّة ناجحة على المستوى الشكلي أو الشكلاني، بمعنى احترام مواعيد الانتخابات، وإجراء عملية الاقتراع وسط أجواء من الشفافية (الحدّ المطلوب على الأقلّ)، وصولا إلى إرساء  مؤسّسات تلعب دورها؟
    أمام هذا تفرّق التونسيون، بل صار الصدام وانقسموا إلى فئتين، خاصّة بعد ما أقدم رئيس الدولة قيس سعيّد على تفعيل الفصل 80، وعلى الأخصّ ما قدّم من تبريرات وما طرح من تطمينات، وما نتج عن هذه الخطوة من دعم ومعارضة، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي :
    فئة أولى : تمثلها حركة النهضة بمشاركة ائتلاف الكرامة، ترى أنّ الديمقراطيّة العرجاء وحتّى التي عجزت عن تقديم الحدّ الأدنى من الصورة المثالية كما الحلول المطلوبة، تملك من الشرعيّة ما يجعل من أيّ مساس بها انقلابا يكون مرفوضا في معناه ومبناه ومرتكزاته، بما في ذلك الخطوات التي أقدم عليها هذا الانقلاب، وبالتالي، لا يجوز سوى اصلاح الديمقراطيّة من داخل الديمقراطيّة، ولا يجوز البتّة المساس بالنواحي الشكليّة، أيّ تعليق عمل مجلس نوّاب الشعب وحلّ الحكومة وما جدّ بناء على ذلك من استفراد قيس سعيّد بالسلطات.
    فئة ثانية : يمثلها قيس سعيّد والأطراف الداعمة له، ترى دون الطعن في أصل الديمقراطيّة المعتمدة، سواء على مستوى الماهيّة أو الوظيفة (في بعدها المثالي)، بوجوب التحرّك، وليس في نيّة (رئيس الدولة) إلغاء هذه الديمقراطيّة، بل فقط وحصرًا، تعليق العمل بهذه المنظومة المريضة ليتمّ إدخالها المستشفى بغاية معالجتها ونزع جميع ما أصابها على مدى السنوات الماضية.
    السؤال يمكن اختصاره في التالي : هل يجب معالجة الدمقراطيّة حصرا داخل أجواء الديمقراطيّة، أم يجوز (وهنا الخلاف) تعليق العمل الديمقراطيّة بغاية انقاذها، لأنّها (وفق ذات الرأي) بصدد الذهاب بالبلاد وحمل العباد إلى الهاوية، بل هو (وفق ذات الرأي) تهدّد وجود الدولة من أساسها؟

    موازين التأويل أم ميزان القوى؟

    وجب التأكيد على أنّ عمق شعبي غير هيّن، ليس فقط بارك ما أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد بل ترى الرجل «منقذًا» فعلا، أو هو انتشل البلاد من الهاوية التي تتهدّد وجودها. هذه الفئة ترى (وهنا الاختلاف) أنّ أمام الحياة والموت وأمام معادلة الوجود والعدم، لا وجود لديمقراطيّة ليس فقط فشلت ولم تقدّم المطلوب منها، بل (وهنا الخطورة) انقلبت من الدرب الذي مطلوب منه حمل البلاد نحو الاستقرار والرخاء نحو (وفق ذات الرأي) انفجار اجتماعي قد يذهب بالبلاد نحو عنف لا يمكن إدراك مداه.
    في المقابل هناك من يعتبرون الأمر انقلابا عسكريا أو دستوريا، أو هو انقلاب متدرج عبر خطوات متلاحقة.

    أين حاجة البلاد وما يريده العباد؟

    ليس فقط هناك تسليم من قبل عمق شعبي أكيد بما أقدم عليه قيس سعيّد، بل تطالبه إمّا بإلغاء الديمقراطيّة، أو في أقلّه عدم الاعتماد وأكثر من ذلك عدم الثقة في الديمقراطيّة القائمة، ومن ثمّة تثق هذه الفئة بل تحلم بما سمّاه المؤرّخ المقريزي «المستبدّ العادل»، أيّ استبدال الديمقراطيّة بالعدل.
    هو قاسم مشتركّ يشقّ المجتمع سواء العمق الشعبي أو النخب، على الأقل الفاعلة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي بالزعيم المنقذ سواء كان راشد الغنوشي الذي ارتفع منسوب النقاش داخل النهضة حول وجوده الضامن للاستقرار داخل الحركة، أو عمق شعبي يعتبر قيس سعيّد الوحيد القادر على اتخاذ الخطوات التي أقدم عليها لينقذ البلاد والعباد.
     

  • Subscribe to الدستور